عليها ، وتقطعت بهم أسبابهم أحوج ما كانوا إليها ، حتى إذا بُعْثِرَ ما في القبور ، وَحُصِّلَ ما في الصدور ، وتميَّزَ لكل قوم حاصلهم الذي حصلوه ، وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه ، وقدموا على ما قدموه ، وبدا لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ، وسقط في أيديهم عند الحصاد لما عاينوا غلة ما بذروه .
فيا شدة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكدّه هباء منثوراً ، ويا عظم المصيبة عندما تبين بوارق آماله وأمانيه خلباً وغروراً .
فما ظن من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتعصب للآراء بربه سبحانه وتعالى يوم تبلى السرائر ؟ ! .
وما عذر من نبذ كتاب اللّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وراء ظهره في يوم لا ينفع فيه الظالمين المعاذر ؟ ! .
أفيظن المعرض عن كتاب اللّه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينجو غداً بآراء الرجال ، ويخلص من مطالبة اللّه تعالى له بكثرة البحوث والجدال . أو ضروب الأقيسة وتنوع الأشكال ، أو بالشطحات والمشارات وأنواع الخيال ؟ ! ! .
هيهات ! واللّه لقد ظنّ أكذب الظنّ ومنّى نفسه أبين المحال ، وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى اللّه تعالى على غيره ، وتزوّد التقوى ، وأتم بالدليل ، وسلك الصراط المستقيم ، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها . واللّه سميع عليم .
فصل
في التوحيد الذي عليه مدار كتاب الله تعالى
وملاك السعادة والنجاة والفوز بتحقيق التوحيدَيْن اللذَيْن عليهما مدار كتاب اللّه تعالى ، وبتحقيقهما بعث اللهّ سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإليهما دعت الرسلُ صلوات اللّه وسلامه عليهم من أوّلهم إلى آخرهم .
أحدهما : التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي ، المتضمن إثبات صفات الكمال للّه تعالى ، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل ، وتنزيهه صت صفات النقص .
والتوحيد الثاني : عبادته وحده لا شريِك له وتجرِيد محبته والإخلاصِ له ،
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 63
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٣