تنتفع معها بصالح الغذاء ، واعجباً جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، ولم تقبل الاغتذاء بكلام اللّه تعالى ، ونص نبيه المرفوع . واعجباً كيف اهتدت في ظلم الآراء إلى التمييز بين الخطأ فيها والصواب ، وعجزت عن الاهتداء بمطالع الأنوار ومشارقها من السنّة والكتاب ، فأقرت بالحجز عن تلقي الهدى والعلم من مشكاة السنّة والقرآن ، ثم تلقته من رأي فلان ورأي فلان .
سبحان اللّه ! ماذا حرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس الهدى من مشكاتها من الكنوز والذخائر ، وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر . قنعوا بأقوال استنبطوها بمعاول الآراء فكراً وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زبراً ، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ، فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجوراً ، درست معالم القرآن في قلوبهم ، فليسوا يعرفونها ، ودثرت معاهده عندهم ، فليسوا يعمرونها ، ووقعت أعلامه من أيديهم ، فليسوا يرفعونها ، وأفَلَتْ كواكبه من آفاقهم فليسوا يبصرونها ، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها ، فليسوا يثبتونها . خلعوا نصوص الوحي عن سلطان الحقيقة ، وعزلوها عن ولاية اليقين ، شنوا عليها غارات التحريف بالتأويلات الباطلة ، فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم المخذولة كمين بعد
كمين . نزلت عليهم نزول الضيف على أقوام لئام ، فعاملوها بغير ما يليق بها من الاجلال والإكرام ، وتلقوها من بعيد ، ولكن بالدفع في صدورها والإعجاز . وقالوا ما لك عندنا من عبور ، وإن كان لا بد فعلى سبيل المجاز ، أنزلوا النصوصَ منزلة الخليفة العاجز في هذه الأزمان ، له السكة والخطبة وما له حكم نافذ ولا سلطان ، حرموا واللهّ الوصول بخروجهم عن منهج الوحي ، وتضييع الأصول ، وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها ، فخانتهم أحرص ما كانوا
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 62
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٢