والسرور بقربه مطرود ومصدود ، وقد طاف عمره كله على أبواب المذاهب ، فلم يفز إلا بأخس المطالب .
سبحان اللّه إن هي واللّه إلا فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها ، وحيّرت العقول عن طرق قصدها ، تربّى فيه الصغير وهرم عليه الكبير ، فظنت خفافيش الأبصار أنها الغاية التي تسابق إليها المتسابقون ، والنهاية التي تتنافس فيها المتنافسون ، وهيهات أين الظلام من الضياء ، وأين الثرى من كوكب الجوزاء ، وأين الحرور من الظلال ، وأين طريقة أصحاب اليمين من طريقة أصحاب الشمال ، وأين القول الذي لم تضمن لنا عصمة قائله بدليل معلوم من النقل المصدق
عن القائل المعصوم ، وأين العلم الذي سنده محمد بن عبد اللّه صلى الله عليه وسلم ، عن جبرائيل صلى الله عليه وسلم ، عن رب العالمين سبحانه وتعالى ، من الخوض الخرص الذي سنده شيوخ الضلال ومن الجهمية والمعتزلة وفلاسفة المشائين ؟ .
بل أين الآراء التي أعلى درجاتها أن تكون عند الضرورة سائغة الاتباع إلى النصوص النبوية الواجب على كل مسلم تحكيمها والتحاكم إليها في موارد النزاع ، وأين الآراء التي نهى قائلها عن تقليده فيها ، وحضّ على النصوص التي فرض على كل عبد أن يهتدي بها ويتبصر ، وأين الأقوال والآراء التي إذا مات أنصارها والقائمون بها فهي من جملة الأموات إلى النصوص التي لا تزول ، إلا إذا زالت الأرض والسماوات .
لقد استبان واللّه الصبح لمن له عينان ناظرتان ، وتبين الرشد من الغي لمن له أذنان واعيتان ، لكن عصفت على القلوب أهوية البدع والشبهات والآراء المختلفات ، فأطفأت مصابيحها وتحكمت فيها أيدي الشهوات ، فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها ، وران عليها كسبها وتقليدها لآراء الرجال ، فلم تجد حقائق القرآن والسنة فيها منقذاً ، وتمكنت فيها أسقام الجهل والتخليط ، فلم
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 61
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦١