العالم ، فهذه الأثمان كلها زيوف لا يقبل اللهّ سبحانه وتعالى في ثمن جنته شيئاً منها ، بل ترد على عاملها أحوج ما يكون إليها ، وتكون من الأعمال التي قدم اللّه تعالى عليها ، فجعلها هباء منثوراً ولصاحبها نصيب وافر من قوله تعالى : " قُلْ هَلْ نُنَبئكُم بالأخْسَرين أعْمَالاً الّذينَ ضَلّ سَعْيُهُم في الحياةِ الدُّنْيا وهُم يَحْسبُونَ أنّهُم يُحْسِنونَ صُنْعاً " سورة الكهف آية 103 - 104 .
وهذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير اللّه عز وجل ، أو على غير سنّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وحال أرباب العلوم والأنظار التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة ، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان الرجال ، وكناسة أفكارهم ، فأتعبوا قواهم وأفكارهم وأذهانهم في تقرير آراء الرجال والانتصار لهم ، وفَهْم ما قالوه وبَثه في المجالس والمحاضر ، وأعرضوا عما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم صفحاً ، وَمَنْ به رمق منهم يعيره أدنى التفات طلباً للفضيلة .
وأما تجريد اتباعه وتحكيمه وتفريغ قوى النفس في طلبه وفهمه وعرض آراء الرجال عليه ، ورد ما يخالفه منها ، وقبول ما وافقه ، ولا يلتفت إلى شيء من آرائهم وأقوالهم ، إلا إذا أشرقت عليها شمس الوحي ، وشهد لها بالصحة ، فهذا أمر لا تكاد ترى أحداً منهم يحدث به نفسه ، فضلاً عن أن يكون آخيته ومطلوبه ، وهذا الذي لا ينجي سواه .
فوا رحمتا لعبد شقي في طلب العلم ، واستفرغ فيه قواه ، واستعد فيه أوقاته ، وأثره على ما الناس فيه ، والطريق بينه وبين رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم مسدود ، وقلبه عن المرسِل سبحانه وتعالى وتوحيده والإنابة إليه والتوكل عليه والتنعم بحبه
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 60
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٦٠