تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
فصل في تفسير قوله : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا قال شيخنا : والصواب أنه عائد على الروح المذكوِر في قوله تعالى : " وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا " الآية ، فسمَّى وَحْيَهُ رُوحاً لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح التي هي الحياة في الحقيقة ، ومن عدمها فهو ميت لا حي . والحياة الأبدية السرمدية في دار النعيم هي ثمرة حياة القلب بهذا الروح الذي أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمن لم يحيا به في الدنيا ، فهو ممن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا ، وأعظم الناس حياة في الدور الثلاث دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار الجزاء ، أعظمهم نصيباً من الحياة بهذه الروح ، وسماه روحاً في غير موضع من القرآن كقوله تعالى : " رفيعُ الدّرجات ذُو العَرْش يُلْقي الرُّوحَ منّ أمْرهِ على مَنْ يشاء من عِباده لِيُنذرَ يومَ التّلاقِ " سورة غافر آية 15 . وقال تعالى : " يُنزِّل المَلائِكَةُ بالرّوح منْ أمره على مَنْ يشَاء من عِباده أنْ أنْذرُوا أنّه لا إلهَ إلاَّ أنا فاتّقُون " سورة النحل آية 2 . وسماه نوراً لما يحصل به من استنارة القلوب وإضاءتها . وكمال الروح بهاتين الصفتين بالحياة والنور ولا سبيل إليهما إلا على أيدي الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم ، والاهتداء بما بعثوا به ، وتَلَقِّي العلم النافع والعمل الصالح من مشكاتهم ، وإلا فالروح ميتة مظلمة ، وإن كان العبد مشاراً إليه بالزهد والفقه والفضيلة والكلام في البحوث ، فإن الحياة والاستنارة بالروح الذي أوحاه اللّه تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله نوراً يهدي به من يشاء من عباده وراء ذلك كله . فليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام ، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها ، وحقها من باطلها ، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال . ويميز النقد الذي عليه سكة أهل المدينة النبوية الذي لا يقبل اللّه عز وجل ثمناً لجنته سواه ، من النقد الذي عليه سكة جنكسخان ونوابه من الفلاسفة ،