ومنها : أنّ مشيهم على الصراط في السرعة والبطء ، بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط اللهّ المستقيم في الدنيا ، فأسرعهم سيراً هنا أسرعهم هناك ، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك . وأشدهم ثباتاً على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك ، ومن خطفته كلاليبُ الشهوات والشبهات والبدع المضلّة هنا ، خطفته الكلاليبُ التي كأنها شوك السعدان هناك ، ويكون تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه ها هنا ، فناج مسلم ومخدوش مسلم ومخردل . أي مقطع بالكلاليب مكردس في النار ، كما أثر فيهم تلك الكلاليب في الدنيا جزاء وفاقاً . وما ربك بظلام للعبيد .
والمقصود أنّ اللّه تبارك وتعالى ضربَ لعباده المثلَيْن : المائي والناري في سورة البقرة ، وفي سورة الرعد . وفي سورة النور ، لما تضمن المثلان من الحياة والإضاءة ، فالمؤمن حي القلب مستنيره ، والكافر والمنافق ميت القلب مظلمه ، وقال اللّه تعالى : " أوَمَنْ كانْ مَيْتاً فأحْيَيْناهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشي بِهِ في النَّاسِ " سورة الأنعام الآية 122 ، وقال تعالى : " ومَا يَسْتوي الأعْمَى والبَصيرُ ، ولا الظُّلُمات ولا النُّورُ ، ولا الظِّلُّ ولا الحرورُ ، ومَا يَسْتوي الأحيْاء ولا الأمْواتُ " سورة فاطر آية 19 - 23 .
فجعل من اهتدى بهداه واستنار بنوره بصيراً حياً في ظلِّ يَقِيهِ مِنْ حرِّ الشبهات والضلال والبدعٍ والشرك ، مستنيراً بنوره ، والآخر أعمى ميتاً في حرِّ الكفر والشرك والضلال منغمساً في الظلمات ، وقال تعالى : " وكذلكَ أوحَيْنَا إليْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتَابُ ولا الإيمَانُ " سورة الشورى آية 52 .
وقد اختلفوا في مفسر الضمير من قوله تعالى : " ولكن جعلناه نوراً " : فقيل : هو الإيمان لكونه أقرب المذكورين .
وقيل : هو الكتاب ، فإنه النور الذي هدى به عباده .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 57
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٧