الباب يفتح لك أبواباً عظيمة من فهم المعاد ، وتفاوت الناس في أحواله ، وما يجري فيه من الأمور : فمنها : خفة حمل العبد على ظهره وثقله إذا قام من قبره ، فإنه بحسب خفة وزره وثقله ، إن خف خف وإن ثقل ثقل .
ومنها : استظلاله بظل العرش أو ضحاؤه للحر والشمس ، إنْ كان له من الأعمال الصالحة الخالصة والإيمان مما يظلّه في هذه الدار من حرّ الشرك والمعاصي والظلم ، استظلَّ هناك في ظلِّ أعماله تحت عرش الرحمن ، وإن كان ضاحياً هنا للمعاصي والمخالفات والبدع والفجور ضحى هناك للحرِّ الشديد .
ومنها : طول وقوفه في الموقف ومشقته عليه وتهوينه عليه ، إن طال وقوفه في الصلاة ليلاً ونهاراً للّه ، وتحمل لأجله المشاق في مرضاته وطاعته خف عليه الوقوف في ذلك اليوم ،
وسهل عليه ، وإن آثر الراحة هنا والدعة والبطالة والنعمة طال عليه الوقوف هناك واشتدت مشقته عليه ، وقد أشار اللهّ تعالى إلى ذلك في قوله : " إنّا نحْنُ نَزّلْنا عليْك القُرآنَ تَنْزيلاً ، فاصْبِرْ لحُكْم رَبِّكَ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أوْ كَفُوراً ، واذْكُرِ اسْمَ ربِّكَ بُكْرةً وأصِيلاً ، وَمِنَ اللّيْل فاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَويلاً ، إنَّ هَؤلَاءِ يُحِبُّونَ العَاجِلَة وَيذَرَوُنَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً " سورة الإنسان آية 23 - 27 . فمن سبَّح اللَّهَ ليلاً طويلاً ، لم يكنْ ذلك اليوم ثقيلاً عليه ، بل كان أخف شيءٍ عليه .
ومنها : أنّ ثِقل ميزانه هناك بحسب تحمل ثقل عمل الحق في هذه الدار ، لا بحسب مجرد كثرة الأعمال ، وإنما يثقل الميزان باتباع الحق والصبر عليه وبذله إذا سئل ، وأخذه إذا بذل ، كما قال الصدّيق في وصيته لعمر رضي اللِّه عنهما : واعلم أن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار ، وله حق بالنهار لا يقبله بالليل . واعلم إنه إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق ، وثقل ذلك عليهم ، ولا يستضيء به غيره ، ولا يمشي أحد إلا في نور نفسه . إن كان له نور مشى في نوره ، وإن لم يكن له نور أصلاً لم ينفعه نور غيره .
ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه ، ولا له مادة من الإيمان أعطي في الآخرة نوراً ظاهراً لا مادة له ، ثم يطفأ عنه أحوج ما كان إليه .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 56
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٥٦