مثل الأرض الطيبة التي قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، فرعى الناس فيه ورعت أنعامهم ، وأخذوا
من ذلك الكلأ الغذاء والقوت والدواء وسائر ما يصلح لهم .
النوع الثاني : حفظوه وضبطوه وبلّغوا ألفاظه إلى الأمة ، فحفظوا عليهم النصوص وليسوا من أهل الاستنباط والتفقه في مراد الشارع ، فهم أهل حفظ وضبط وأداء لما سمعوه ، والأولون أهل فهم وفقه واستنباط وإثارة لدفائنه وكنوزه ، وهذا النوع الثاني لمنزلة الأرض التي أمسكت الماء للناس ، فوردوه وشربوا منه وسقوا منه أنعامهم وزرعوا به .
فصل
في القسم الثاني : من رده ظاهرا وباطنا
القسم الثاني : من رده ظاهراً وباطناً وكفر به ، ولم يرفع به رأساً ، وهؤلاء أيضاً نوعان : أحدهما : عرفه وتيقن صحته وأنه حق ، ولكن حمله الحسد والكبر وحب الرياسة والملك والتقدم بين قومه على جحده ودفعه بعد البصيرة واليقين .
النوع الثاني : أتباع هؤلاء الذين يقولون : هؤلاء ساداتنا وكبراؤنا ، وهم أعلم منّا بما يقبلونه وما يردونه ، ولنا أسوة بهم ، ولا نرغب بأنفسنا عن أنفسهم ، ولو كان حقاً لكانوا هم أهله وأولى بقبوله .
وهؤلاء بمنزلة الدّواب والأنعام يُساقون حيث يسوقهم راعيهم ، وهم الذي قال اللّه عز وجل فيهم : " إذْ تَبَرّأ الذينَ اتُّبِعُوا منَ الذينَ اتبَعُوا ورأوا العَذَابَ وتَقَطعتْ بهمْ الأسْبابُ ، وقالَ الذينَ اتبَعُوا لَوْ أنْ لَنَا كَرّةً فَنَتبرّأ منْهُم كما تبرؤوا مِنا كذلكَ يُريهُم اللَهُ أعْمالهم حَسَراتٍ عَلَيْهم ومَا هُمْ بخارجينَ مِنَ النار " سورة البقرة آية 166 .
وقال تعالى فيهم : " يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ في النَار يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أطَعْنَا اللَّهَ وَأطَعْنا الرَّسُول ، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أطَعْنَا سَادَتَنَا وكُبَرَاءَنَا فَأضَلُّونَا السبيلاَ ، رَبَّنا آتهِمْ ضِعْفيْنِ منَ العَذابِ والْعَنْهُمْ لَعْناً
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 41
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤١