جهله بما يحمل من أسفار الحكمة ، وتساوي الحالتين عند من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأحمال ، ولا يشعر من ذلك إلا بما يمرّ بدفيه من الكد والتعب ، وكقوله تعالى : " واضْربْ لهُم مَثَلَ الحيَاةِ الدُّنيِا كماء أنْزَلْناه من السماء فاختلطَ بهِ نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح " سورة الكهف آية 45 . المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء هذا النبات ، فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض وتصييرها شيئاً واحداً فلا .
فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة ، فشبّه حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل ، وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق .
قال : فإن قلت : أي التمثيلين أبلغ ؟ قلت : الثاني لأنه أدَلُ على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ، ولذلك أُخّرَ ، وهم يتدرجون في مثل هذا من الأهون إلى الأغلظ .
قلت : قال شيخنا : الناس في الهدى الذي بعث اللّه تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام : قد اشتملت عليهم هذه الآيات من أول السورة إلى ههنا .
بيان أقسام الناس في الهدى
القسم الأول : قبلوه باطناً وظاهراً وهم نوعان :
أحدهما : أهل الفقه فيه والفهم والتعليم ، وهم الأئمة الذين عقلوا عن الله تعالى كتابه وفهموا مراده ، وبلغوه إلى الأمة ، واستنبطوا أسراره وكنوزه ، فهؤلاء
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 40
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٤٠