تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فصل في تفسير قوله تعالى : " أو كصيب من السماء " ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلاً آخر مائياً فقال تعالى : " أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السماء فيه ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ يَجْعلُونَ أصَابعَهُم في آذانهِمْ منَ الصَّواعقِ حَذَرَ المَوْتِ واللَّهُ مُحيطٌ بالكَافرينَ " سورة البقرة آية 171 . فشبّه نصيبهم مما بعث اللّه تعالى به رسوله صلى الله عليه وسلم من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها ، وذهب نوره وبقي في الظلمات حائراً تائهاً لا يهتدي سبيلاً ولا يعرف طريقاً ، وبنصيب أصحاب الصيب ، وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من علو إلى أسفل ، فشبّه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب ، لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر ، ونصيب المنافقين من هذا الهدي بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد والشجر والدواب ، وإن تلك الظلمات التي فيه ، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره ، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب . فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الاحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد ، وتعطيل مسافر عن سفره ، وصانع عن صنعته ، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيِّب من الحياة والنفع العام . وهكذا شأن كل قاصر النظر ، ضعيف العقل لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب ، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صحت بصيرته ، فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب والمشاق والتعرض لاتلاف المهجة ، والجراحات الشديدة ، وملامة اللوام ، ومعاداة من يخاف معاداته ، لم يقدم عليه لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة والغايات التي إليها تسابق المتسابقون ، وفيها تنافس المتنافسون . وكذلك مَنْ عَزَمَ على سفر الحج إلى البيت الحرام ، فلم يعلم من سفره ذلك