تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
قال : وجميع الحكماء قد اتفقوا على أنّ الله والملائكة في السماء ، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك . والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة توجب إثبات المكان ، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية . قال : ونحن نقول أن هذا كله غير لازم فالجهة غير المكان ، وذلك أن الجهة هي إما سطوح نفس الجسم المحيطة به ستة ، وبهذا نقول : إن للحيوان فوقاً وسفلاً ويميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً ، وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم من الجهات الست ، فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم أصلاً ، وأما سطوح الجسم المحيط به فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان ، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء هي أيضاً مكان الهواء ، وهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له . وأما سطح الفلك الخارج فقد برهن أنه ليس بخارجه جسم ، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج فلك الجسم أيضاً جسم آخر ، ويمر الأمر إلى غير نهاية ، فإذن سطح آخر أجسام العالم ليس مكاناً أصلاً ، إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم يمتنع وجوده . فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة ، فواجب أن يكون غير جسم ، فالذي يمتنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم ، وهو موجود وهو جسم لا موجود ليس بجسم وليس لهم أن يقولوا : إن خارج العالم خلاء ، وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه ، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيء أكثر من الأبعاد ليس فيها جسم ، أعني طولاً وعرضاً وعمقاً ، لأنه إن رفعت الأبعاد عنه عاد عَدَماً ، وإن أنزل الخلاء لخلاء موجود لزم أن تكون أعراض موجودة في غير جسم ، وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد ، ولكنه قد قيل في الآراء السالفة القديمة ، والشرائع الغابرة : إن ذلك هو مسكن الروحانيين ، ويريدون ، الله والملائكة ، وذلك أن ذلك الموضع ليس بمكان ، ولا يجوز أن يحويه زمان ، وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان فاسداً ، فقد يلزم أن يكون ذلك غير فاسد ولا كائن ، وقد تبين هذا المعنى فيما أقوله وذلك أنه إذا لم يكن ها هنا شيء يدرك إلا هذا الموجود المحسوس أو المعدوم ، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود بنفسه إنما ينسب إلى الوجود إلى الجزء الأشرف ،