وأشرف هذا الجزء قول الله تعالى : " لَخَلْقُ السّمواتِ والأرْضِ أكبْرُ من خَلْقِ الناس ولكِنْ أكثرَ النّاس لا يَعْلَمُون " سورة غافر آية 57 ، فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم . قال : فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل ، وأنه الذي جاء به الشرع وأثنى عليه ، فإن إبطال هذه القواعد إبطال للشرائع . . . ثم ساق تقرير ذلك إلى آخره .
فهذا كلام فيلسوف الإسلام الذي هو أخبر بمقالات الفلاسفة والحكماء ، وأكثر إطلاعاً عليها من ابن سينا ، ونقلاً لمذاهب الحكماء ، وكان لا يرضى بنقل ابن سينا ويخالفه نقلاً وبحثاً .
ذكر قول الجن المؤمنين المثبتين قال اللّه تعالى : " قُلْ أوحيَ إليَّ أنّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ منَ الجن فقالوا : إنّا سَمِعْنا قُرآناً عَجَبَاً ، يَهْدي إلى الرُّشْد فآمَنّا به ولَنْ نُشْرِكَ بِربنا أحداً " سورة الجن آية 1 - 2 ، وقال في آية أخرى حكاية عنهم : " فلمّا قُضيَ وَلَّوْا إلى قَومهم منْذرين ، قالُوا : يا قَومَنا إنّا سَمِعْنا كتاباً أُنْزِلَ منْ بَعْد موسى مُصَدقاً لما بيْنَ يديه يَهْدي إلى الحق وإلى طَريقٍ مُسْتَقيم " سورة الأحقاف آية 29 - 30 .
فأخبروا أنه يهدي إلى الرشد وإلى الحق ، وأعظم الرشد والحق الذي يهدي إليه : معرفة الله سبحانه وإثبات صفاته وعلوه على خلقه ومباينته لهم ، إذ بذلك يتَم الاعتراف له وإثباته ، ونفي ذلك نفي له ولصفاته ، وكذلك سمعه المؤمنون الصادقون منهم ، كما قال أبو بكر الخطيب في تاريخه : حدثني عبد اللّه بن علي بن محمد القرشي حدثني عبد اللّه بن إبراهيم بن أيوب ، حدثنا أبو محمد بن ماسي قال : حدثني أبو مسلم الكجي قال : خرجت يوماً فإذا الحمام قد فتح سحراً ، فقلت للحمامي : أدَخَلَ أحد الحمام ؟ قال : لا ، فدخلت فساعة فتحت الباب قال لي قائل : يا أبا مسلم ، أسلم تسلم ، ثم أنشأ يقول :
لكَ الحمْدُ إما على نِعْمةٍ * وإما على نقْمة تدفعُ
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 299
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٩٩