تعالى لم يزل قادراً على الأشياء ومستولياً عليها . ألا ترى أنه لا يوصف بِشْرٌ بالاستيلاء على العراق إلا وهو عاجز عنه قبل ذلك .
ثم حكى أبو القاسم ، عن ذي النون المصري أنه قيل له : ما أراد اللّه سبحانه بخلق العرش ؟ قال : أراد أن لا يتوه قلوب العارفين .
قال : وروي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في تفسير قوله تعالى : " ما يَكُونَ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رابِعُهُم " سورة المجادلة آية 7 . قال : هو على عرشه وعلمه في كل مكان . . ثم ساق الاحتجاج بالآثار إلى أن قال : وزعم هؤلاء أن معنى الرحمن على العرش استوى أي : ملكه ، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة ، وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه .
وقال أهل السنة : خلق الله تعالى السماوات ، وكان عرشه مخلوقاً قبل خلق السماوات والأرض ، ثم استوى على العرش بعد خلق السماوات والأرض على ما ورد به النص ، وليس معناه المماسة ، بل هو مستوى على عرشه بلا كيف كما أخبر عنه نفسه .
قال : وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق ، فإن ذلك يوجب التحديد ، وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى ، ونطق بذلك القرآن ، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات ، وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة ، والعلو من سائر وجوه العلو ، لأن صفة مدح ، فنثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة ، وفي منعهم الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل ، لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله
سبحانه وتعالى من جهة الفوق في الدعاء والسؤال ، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة ، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق .
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 147
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٤٧