وليس مجيئه حركة ولا زوالاً ولا ابتدالاً ، لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهرا ، فلما ثبت أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، لم يجب أن يكون مجيئه حركة ولا نقلاً ، ولو اعتبرت ذلك بقولهم : جاءت فلاناً قيامته ، وجاءه الموت ، وجاءه المرض ، وشبه ذلك مما هو وجود نازل به لا مجيء ، لبانَ لك وبالله العصمة والتوفيق .
فإن قال : أنه لا يكون مستوياً على مكان إلا مقروناً بالكيف ؟ ! قيل له : قد يكون الاستواء واجبَاً والتكييف مرتفع ، وليس رفعٍ التكييف يوجب رفع الاستواء ، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل ، ولا يكون كائناً في مكان ولا مقروناً بالتكييف .
فإن قال : إنه كان ولا مكان وهو غير مقرون بالتكييف ، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحاً في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك ، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح ، وكذلك ليس جهلنا بكيفيته على عرشه يوجب أن ليس على عرشه .
وقد روي عن أبي رزين العقيلي قال : قلت يا رسول اللّه : أين كان ربنا تبارك وتعالى قبل أن يخلقَ السماوات والأرض ؟ قال : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء .
قال أبو القاسم : العماء ممدود ، وهو السحاب والعمى مقصور : الظلمة ، وقد روي الحديث بالمد والقصر ، فمن رواه بالمد فمعناه عنده كان في عماء سحاب ما تحته هواء وما فوقه هواء .
والهاء راجعة على العماء ، ومن رواه بالقصر فمعناه عنده كان في عمى عن خلقه لأنه من
عمي عن شيء فقد أظلم عنه .
قال سنيد بسنده عن مجاهد قال : إن بين العرش وبين الملائكة لسبعين حجاباً من نور وحجاباً من ظلمة . وروى أيضاً سنيد بسنده ، عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام ، وما بين
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 131
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٣١