والاستواء معلوم في اللغة مفهوم ، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكّن فيه .
قال أبو عبيدة في قوله : " الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى " سورة طه آية 5 . قال : علا ، قال :
وتقول العرب : استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت . وقال غيره : استوى أي : استقر ، واحتج بقوله تعالى : " ولمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوَى " انتهى شبابه واستقر ، فلم يكن في شبابه مزيد ، قال ابن عبد البر : الاستواء : الاستقرارِ في العلو ، وبهذا خاطبنا اللّه تعالى في كتابه فقال : " لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُم تَذكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُم إذا اسْتَويتُمْ عَلَيْهِ " سورة الزخرف آية 13 .
وقال تعالى : " واسْتَوَتْ عَلى الجُوديّ " سورة هود آية 44 .
وقال تعالى : " فإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَنْ مَعَكَ عَلَى الفُلْكِ " سورة المؤمنون آية 28 . وقال الشاعر :
فأوردتهم ماءً بفيفاءَ قَفْرَةً * وقَدْ حَلّقَ النّجْمُ اليماني فاسْتَوَى
وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد : استولى ، لأن النجم لا يستولي ، وقد ذكر النضر بن شميل وكان ثقة مأمونَاً جليلاً في علم الديانة واللغة قال : حدثني الخليل وحسبك بالخليل قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي ، وكان من أعلم ما رأيت ، فإذا هو على سطح ، فسلمنا ، فردّ علينا السلام ، وقال : استووا ، فبقينا متحيرين ولم ندرِ ما قال ، فقال لنا أعرابي إلى جانبه : إنه أمركم أن ترفعوا ، فقال الخليل : هو من قول الله " ثمَّ استَوَى إلى السّماءِ وهِيَ دُخَانٌ " سورة فصلت آية 11 . فصعدنا إليه .
قال : وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد ، عن عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : " الرحمن على العرش استوى " قال : استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان .
فالجواب : إن هذا حديث منكر على ابن عباس رضي الله عنهما ، ونَقَلَته مجهولة
اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطة والجهمية — صفحة 118
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١١٨