الأئمة ، كما هو صادق على فقهاء عصرنا ، فإنهم مشتركون معهم فيما هو مناط
المنصب .
وامتياز المجتهدين في زماننا عنهم ، إنما هو في أمر خارج عما يعتبر في
المنصب ، وهو تحصيل قوة الاستنباط بالمشقة ، وبذل الجهد ، وتحمل الكلفة في
معرفة الأحكام ، مما لم يكن فقهاء العصر الأول محتاجين إليه .
فمعرفة الأحكام في العصر الأول كانت سهلة ، لعدم الاحتياج إلى كثير من
مقدمات الاجتهاد ، وعدم الاحتياج إلى التكلف وبذل الجهد ، مما نحتاج إليه في
هذه الأعصار مما هو غير دخيل في تقوم الموضوع ، بل دخيل في تحققه ، فقيود
الموضوع - وهي ما عينت المقبولة من الأوصاف - كانت حاصلة لهم من غير
مشقة ، ولفقهائنا مع تحمل المشاق .
وأما المقلد فخارج عن الموضوع رأسا ، لعدم صدق الأوصاف عليه ، كما
أوضحنا سبيله سابقا ( 1 ) .
هذا مع أن المنصوبين للقضاء من قبل خلفاء الجور والحق ، كانوا من الفقهاء
الواجدين لقوة الاستنباط ، كشريح المنصوب من قبل أمير المؤمنين ، وكابن أبي ليلى ( 2 ) ،
هامش
1 - تقدم في الصفحة 26 - 29 .
2 - ابن أبي ليلى : هو محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى يسار الأنصاري القاضي الكوفي . ولد
سنة 74 ه ، وصحب الصادق ( عليه السلام ) وكان من أصحاب الرأي فقيها مفتيا ، وتولى القضاء
بالكوفة ، وأقام حاكما ثلاثا وثلاثين سنة ، ولي لبني أمية أولا ، ثم لبني العباس ، وكان سيئ
الحفظ . مات سنة 148 ه .
أنظر رجال الشيخ : 293 / 210 ، وتذهيب التهذيب 2 : 43 / 6439 ، والكنى والألقاب 1 :
202 - 204 .