لكن الوجود الحدوثي للفتوى بنحو الجزم ، يوجب كونها طريقا إلى الواقع
أبدا ، ولا ينسلخ عنها ذلك إلا بتجدد رأيه ، أو الترديد فيه ، وإلا فهي طريق إلى
الواقع ، كان صاحب الرأي حيا أو ميتا .
فإذا شككنا في جواز العمل به ، من حيث احتمال دخالة الحياة شرعا في
جوازه ، فلا إشكال في جريان الاستصحاب ، ووحدة القضية المتيقنة والمشكوك
فيها ، فرأي العلامة وقوله وكتاب قواعده كل كاشف عن الأحكام الواقعية ،
ووجوده الحدوثي كاف في كونه طريقا ، وهو المناط في جواز العمل شرعا
ولدى العقلاء .
وإن شئت قلت : جزم العلامة أو إظهار فتواه جزما ، جعل كتابه حجة ،
وطريقا إلى الواقع ، وجائز العمل في زمان حياته ، ويشك في جواز العمل على
طبقه بعد موته ، فيستصحب .
والعجب من الشيخ الأعظم ( 1 ) ، حيث اعترف بأن الفتوى إذا كانت عبارة
هامش
1 - الشيخ الأعظم : هو الأستاذ الإمام المؤسس ، والفقيه الأصولي المتبحر ، شيخ مشايخ
الإمامية ، مرتضى ابن الشيخ محمد أمين الأنصاري التستري الدزفولي النجفي . ولد سنة
1214 ه . ودرس عند السيد المجاهد ، وشريف العلماء ، والشيخين موسى وعلي كاشف
الغطاء ، والموسى النراقي وجمع بين الحفظ وسرعة الانتقال ، واستقامة الذهن ، وجودة الرأي ،
فلم يعيه حل مشكلة ، ولا جواب مسألة ، وكان يضرب به المثل في زهده ، وتقواه ، وورعه ،
وعبادته ، وقداسته ، عالي الهمة أبيا . وقد انتهت إليه رئاسة الإمامية على الاطلاق ، وأطبقت
الشيعة على تقليده في شرق الأرض وغربها ، وكان له في التدريس والتأليف طريق خاص ،
لما تمتع به من طلاقة في القول ، وفصاحة في النطق ، وحسن تقريب آراء المحققين ، وهو
واضع أساس علم الأصول الحديث عند الشيعة ، وطريقته الشهيرة المعروفة . أبرز تلامذته
السيد المجدد الشيرازي ، والميرزا حبيب الله الرشتي ، والآخوند الخراساني . له مصنفات
مشهورة ، صارت مدار حركة التدريس في حال حياته إلى يومنا هذا ألا وهي المكاسب
والفرائد ، بالإضافة إلى كتاب في الطهارة ، وآخر في الصلاة . . . توفي ( رحمه الله ) سنة 1281 ه .
أنظر معارف الرجال 2 : 399 - 404 ، وأعيان الشيعة 10 : 117 - 119 .