تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
واجتهد ، حتى تخرج في مدة قريبة ، وصار أنظر أهل زمانه ، وأوحد أقرانه ، وجلس للإقراء وإرشاد الطلبة في أيام إمامه وصنف ، وكان الإمام يتبحبح به ويعقد بمكانه منه ، ثم خرج من نيسابور ، وحضر مجلس الوزير نظام الملك ، فأقبل عليه ، وحل منه محلا عظيما ، لعلو درجته ، وحسن مناظرته ، وكانت حضرة نظام الملك محطا لرجال العلماء ، ومقصد الأئمة والفضلاء ، ووقع للإمام الغزالي فيها اتفاقات حسنة ، من مناظرة الفحول فظهر اسمه ، وطار صيته ، فرسم عليه نظام الملك بالمسير إلى بغداد ، للقيام بتدريس المدرسة النظامية ، فسار إليها ، وأعجب الكل تدريسه ومناظرته ، فصار إمام العراق ، بعد أن حاز إمامة خراسان ، وارتفعت درجته في بغداد ، على الأمراء ، والوزراء ، والأكابر ، وأهل دار الخلافة ، ثم انقلب الأمر من جهة أخرى ، فترك بغداد ، وخرج عما كان فيه من الجاه والحشمة ، مشتغلا بأسباب التقوى ، وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها ، مثل إحياء علوم الدين وغيره ، التي من تأملها عرف محل مصنفها من العلم . قيل أن تصانيفه وزعت على أيام عمره فأصاب كل يوم كراس ، ثم سار إلى القدس ، مقبلا على مجاهدة النفس ، وتبديل الأخلاق ، وتحسين الشمائل ، حتى مرن على ذلك ، ثم عاد إلى وطنه طوس ، لازما بيته ، مقبلا على العبادة ، ونصح العباد وإرشادهم ، ودعائهم إلى الله تعالى ، والاستعداد للدار الآخرة ، مرشد الضالين ، ويفيد الطالبين ، دون أن يرجع إلى ما انخلع عنه من الجاه والمباهاة ، وكان معظم تدريسه في التفسير والحديث والتصوف حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى ، يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة ، خصه الله تعالى بأنواع الكرامة في أخراه ، كما خصه بها في دنياه . قيل وكانت مدة القطبية للغزالي ثلاثة أيام على ما حكي في كرامات الشيخ سعيد العمودى نفع الله به ، وذكر الشيخ عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي رحمه الله تعالى بإسناده الثابت ، إلى الشيخ الكبير القطب الرباني ، شهاب الدين أحمد الصياد اليمني الزبيدي ، وكان معاصرا للغزالي ، نفع الله بهما ، قال : بينما أنا ذات يوم قاعد ، إذ نظرت إلى أبواب السماء مفتحة ، وإذا عصبة من الملائكة الكرام قد نزلوا ومعهم خلع خضر ، ومركوب نفيس ، فوقفوا على قبر
إحياء علوم الدين — صفحة 15 | الغزالي