وما ارتضيته آخرا من طرق أهل التصوف ، وما تنحل لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل أهل الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة ، وما دعاني إلى معاودته بنيسابور بعد طول المدة . فابتدرت لإجابتك إلى طلبتك ، بعد الوقوف على صدق رغبتك . فقلت مستعينا باللَّه تعالى ومتوكلا عليه ومستوفقا منه ، وملتجئا إليه اعلموا أحسن الله إرشادكم ، وألان إلى قبول الحق انقيادكم . أن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق ، بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إلا الأقلون ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، * ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) * « 1 » ولم أزل في عنفوان شبابي مذ راهقت البلوغ ، قبل بلوغ العشرين ، إلى أن أناف السن على الخمسين ، أقتحم لجة البحر العميق ، وأغمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأهجم على كل مشكلة ، وأقتحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأتكشف أسرار مذاهب كل طائفة ، لأميز بين كل محق ومبطل ، ومستن ومبتدع ، لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على فلسفته ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته ، ولا متعبدا إلا وأريد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جراءته في تعطيله وزندقته ، وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدنى من أول أمري وريعان عمري ، غريزة من الله ، وفطرة وضعها الله في جبلتى ، لا باختياري وحيلتى ، حتى انحلت عنى رابطة التقليد ، وانكسرت عنى العقائد المروية على قرب عهد منى بالصبا ، إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشء إلا على التنصر ، وصبيان اليهود لا يكون لهم نشء إلا على التهود ، وصبيان الإسلام لا يكون لهم نشء إلا على الإسلام ، وسمعت الحديث المروي عن النبي
هامش
« 1 » الروم : 32