وحاز شرف الآخرة والدنيا .
وقال السيد الكبير العارف باللَّه الشهير علي بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن السقاف لو قلَّب أوراق الإحياء كافر لأسلم ، ففيه سر خفيّ يجذب القلوب شبه المغناطيس قلت :
وهو صحيح فإني مع خسيس قصدي وقساوة قلبي أجد عند مطالعتي له من انبعاث الهمة وعزوف النفس عن الدنيا ما لا مزيد عليه ، ثم يفتر برجوعى إلى ما أنا فيه ، ومخالطة أهل الكثافات ، ولا أجد ذلك عند مطالعة غيره من كتب الوعظ والرقائق وما ذاك إلا لشيء أودعه الله فيه وسر نفس مصنفه ، وحسن قصده ، والمراد بالكافر هنا فيما يظهر الجاهل لعيوب النفس ، المحجوب عن إدراك الحق أي فبمجرد مطالعته للكتاب المذكور يشرح الله صدره ، وينور قلبه ، وذلك لأن الوعظ إذا صدر عن قلب متعظ كان حريا أن يتعظ به سامعه ، وكما أن الله تعالى جعل لعباده الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، رتبة فوق غيرهم ، كذلك جعل لما يبرز منهم ، ويؤخذ عنهم بركة زائدة على غيره لأن ألسنتهم كريمة ، وأنوار قلوبهم عظيمة ، وهممهم علية ، وإشاراتهم سنية ، حتى يكون للقرءان أثر عظيم عند سماعه منهم ، وللأحاديث بهجة وجلالة زائدة إذا أخذت عنهم ، وللمواعظ منهم تأثير في القلوب ظاهر ، ولعلومهم وفقههم أنوار ونفع متظاهر ، حتى تجد الرجل له العلم القليل ، وبعد ذلك ينتفع به كثير ، لحسن نيته ، ووجود بركته ، وغيره له أكثر من ذلك العلم ، ولم ينتفع به مثله ، لأنه دونه في منزلته ، ومن تأمل ذلك وجده أمرا ظاهرا معهودا ، وشيئا مجربا موجودا ، فانظر إلى نفع الناس ، بكتاب الخلاف في مذهب مالك رحمه الله تعالى ، والتنبيه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ، والجمل في العربية والإرشاد في علم الكلام ، وانتشارها مع أن ما حوت من العلم في فنونها قليل ، وقد جمع غير هؤلاء في هذه الفنون في مثل أجرام هذه الكتب أضعاف ما فيها . مع تحقيق تحرير العبارات وتشقيق المعاني ، وتلخيص الحدود بعد هذا ، فالنفع بهذه أكثر ، وهي أظهر وأشهر ، لأن العلم بمزيد التقوى ، وقوّة سر الإيمان ، لا بكثرة الذكاء وفصاحة اللسان ، كما بين ذلك مالك رحمه الله تعالى بقوله : ليس العلم بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يضعه
إحياء علوم الدين — صفحة 11
مساهمون: الغزالي
ص١١