وتحققنا وجود أمثالهم كثيرا على عهد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، والسلف الصالحين رضي الله عنهم ، ثم لم يبلغنا أنه اعترض أحد إسلامهم ، ولا أوجب عليهم الخروج منه ، والمعروف عنه ، ولا كلفوا مع قصور فهمهم وبعدهم عن فهم ذلك بعلم الدلالة ، وقراءة البراهين وترتيب الحجاج ، بل تركوا على ما هم عليه ، وهؤلاء عندي معذورون ببعدهم ، ومقبولون بما توافوا عليه من إقرارهم وعقدهم ، والله سبحانه قد عذرهم مع غيرهم بقوله سبحانه * ( لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) * « 1 » ولا يخرجون عن مقتضى هذه الآيات بحال ، وسنبدى لك طريقا من الاعتبار تعرف به صحة إسلامهم ، وسلامة توحيدهم ، إن شاء الله عز وجل
والصنف الثاني : اعتقدوا الحق مع ما ظهر منهم من النطق ،
واعتقدت مع ذلك أنواعا من المخاييل ، قام في مخيلتها أنها أدلة ، وطأتها براهين وليست كذلك ، وقد وقع في هذا كثير ممن يشار إليه ، فضلا عمن دونهم ، فإن وقع إلى هذا الصنف من يزعزع عليهم تلك المخاييل بالقدح ، ويبطلها عليهم بالمعارضة أو الاعتراض لم يلتفتوا إليه ، ولا أصغوا لما يأتي به ، ويترفعوا إلى أن يجاوبوه لما يحملهم عليه من سوء الفهم ، أو رداءة الاعتقاد ، وعندهم أن جميع تلك المخاييل في باب الاستدلال أرسخ من شوامخ الجبال ، فمنهم من يعتقد دليله مذهب شيخه الرفيع القدر ، المطلع على العلوم ، ومنهم من يكون دليله خبرا له ، ومنهم من يكون دليله بعض محتملات آية أو حديث صحيح ، ولعمري أنهم ينبغي إذا صادفوا السنة باعتقادهم ، ولم يقعوا في شيء من الضلال ، أن يتركوا على ما هم عليه ، ولا يحركوا بأمر آخر ، بل يصدقوا بذلك ويسلم لهم ، لئلا يكون إذا تتبع الحال معهم ربما لقنوا شبهة ، أو ترسخ في نفوسهم بدعة يعسر انحلالها ، أو يقعوا في تكفير مسلم وتضليله ، بل هناك أسباب كثيرة واعلم أن اعتقاد الخلائق وعلمها من أغذية النفوس ، فمن رغب في أكملتها لم يقنع بدونها ، وإذا حصل له ذلك قوي به ، ومن قنع بأيسرها ولم تطمح همته إلى ما هو أعلى من ذلك ضعف ، ولكنه يعيش عيش الطفيف ، وإنما يهلك من لا بلغة له ولا يجدها ، أو يجدها ولكنها تكون مشابهة ممن جاء بمضرة بدعة ، وسموم
هامش
« 1 » البقرة : 286