فيها ، ليس بعربي ، ولا سرياني ، ولا عبراني ، ولا غير ذلك من أجناس الخطوط ، فبادر إلى قراءته من لم يستعجم عليه ، وتعلمه منهم من استعجم عليه ، فإذا هو الخط الإلهي المكتوب على صفحة كل مخلوق . المنطبع فيه من مركب ومفرد ، وصفة وموصوف وحي ، وجماد ، وناطق وصامت ، ومتحرك وساكن ، ومظلم ونيّر ، وهو الذي يسمى تارة بعلامة ، وتارة بسمة ، وتارة بأثر القدرة ، وتارة بآية ، كما قال الشاعر : ولا أدرى عن سماع أو رؤية قلب
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه واحد
فلو قرؤا ذلك الخط وجدوا تفسير ذلك المكتوب عليه ، وشرحه أبدية مالكه والتصريف له بالقدرة على حكم الإرادة بما سبق في ثابت العلم من غير مزيد ولا تقصير ، فتركوا الكتابة والمكتوب ، وترقوا إلى معرفة الكاتب ، الذي أحدث الأشياء وكونها ، ولا يخرج عن ملكه شيء منها ، ولا استغنت بأنفسها عن حوله وقوته ، ولا انتقلت إلى الحرية عن رق استعباده ، فوجدوه كما وصف نفسه * ( لَيْسَ كَمِثْلِه ِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * « 1 » فخلصت لهم التفرقة والجمع ، وعقلت نفس كل واحد منهم توحيد خالقها بإذنه وإيجاده عن غيره ، وعقلت أنها عقلت توحيده ، فسبحان من يسّرها لذلك ، وفتح عليها بما ليس في وسعها أن تدركه إلا به وهو اللطيف الخبير ، لكن الصنف الثالث : لم يقصر كل منهم أن يعرف نفسه موجدا لديه فيما لا يزال ، وهم المقربون ، والصنف الرابع : لم يقصر كل واحد منهم أن عرف ربه موجدا لنفسه فيما لم يزل ، وهم الصديقون ، وبينهما تفاوت كثير وأما طريق معرفة صحة هذا التقسيم : فلأن العقلاء بأسرهم لا يخلو كل واحد منهم أن يوجد أثر التوحيد بأحد الأنحاء المذكورة عنده ، فأما من عدمت عنده فهو كافر إن كان في زمن الدعوة ، أو على قرب يمكن وصول علمها إليه ، أو في فترة يتوجه عليه فيها التكليف وهذا صنف مبعد عن مقام هذا الكلام ، وأما من يوجد عنده فلا يخلو أن يكون مقلدا في عقده ، أو عالما به ، والمقلدون هم العوام ، وهم أهل المرتبة الثانية في الكتاب ،
هامش
« 1 » الشورى : 11