بالجهال من عباده ، وفخره بلقاء أميره ، وصلة سلطانه وطاعة القاضي والوزير والحاجب له ، قد أهلك نفسه حين لم ينتفع بعلمه ، والاتباع له ، ومن يكون بعده قدوة به ، ومراده من الدنيا مثله في مثل هذا ضرب الله المثل حين قال * ( واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناه ُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَه ُ الشَّيْطانُ فَكانَ من الْغاوِينَ ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناه ُ بِها ولكِنَّه ُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ واتَّبَعَ هَواه ُ فَمَثَلُه ُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْه ِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْه ُ يَلْهَثْ ) * « 1 » فويل لمن صحب مثل هذا في دنياه ، وويل لمن تبعه في دينه ، وهذا هو الذي أكل بدينه ، غير منصف لله سبحانه في نفسه ، ولا ناصح له في عباده ، تراه إن أعطي من الدنيا رضي بالمدحة لمن أعطاه ، وإن منع رش بالدم لمن منعه ، وقد نسي من قسّم الأرزاق ، وقدّر الأقدار ، وأجرى الأسباب ، وفرغ من الخلق كلهم ، فنعوذ باللَّه من الحور بعد الكور ، ومن الضلالة بعد الهدى ، وإنما زدتك هذه الزيادة وإن ظهر لكثير أنها ليست من الغرض الذي نحن فيه ، فقصدى أن يعلم من ذهب من الناس ، ومن بقي ، ومن أبصر الحقائق ، ومن عمي ، ومن اهتدى على الصراط المستقيم ، ومن غوى ، فليعلم أن الصنفين الأولين من العلماء قد ذهبوا ، وإن كان بقي منهم أحد فهو غير محسوس للناس ولا مدرك بالملاحظة
غاب الذين إذا ما حدّثوا صدقوا
وظنهم كيقين إن هم حدسوا
وذلك لما سبق في القضاء من ظهور الفساد ، وعدم أهل الصلاح والرشاد ، نعم . وعدم الصنف الثالث على غربته ، وأعز شيء على وجه الأرض وفي الغالب ما يقع عليه في الحقيقة اسم علم عند شخص مشهور به ، وإنما الموجود اليوم أهل سخافة ودعوى ، وحماقة ، واجتراء ، وعجب بغير فضيلة ، ورياء ، يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وهم أكثر من عمّر الأرض وصيّروا أنفسهم أوتاد البلاد ، وأرسان العوام ، وهم خلفاء إبليس وأعداء الحقائق ، وأخدان لعوائد السوء ، وعنهم يرد عتب الحكم الشائعة وانتقاض أهل الإرادة والدين .
هامش
« 1 » الأعراف : 175 ، 176