والهمة : ثلاثة . همة منية : وهي تحرك القلب للمنى ، وهمة إرادة : وهي أول صدق المريد ، وهمة حقيقة القصور عن ملاحظة ذروة هذا الأمر والجهل . فإن الأمر إدّ والخطب جد ، والآخرة مقبلة ، والدنيا مدبرة ، والأجل قريب ، والسفر بعيد والزاد طفيف ، والخطر عظيم ، والطريق سد ، وما سوى الخالص لوجه الله من العلم والعمل عند الناقد البصير رد ، وسلوك طريق الآخرة مع كثرة الغوائل من غير دليل ولا رفيق متعب ومكدّ ، فأدلة الطريق هم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء وقد شغر منهم الزمان ولم يبق إلا المترسمون ، وقد استحوذ على أكثرهم الشيطان واستغواهم الطغيان وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا ، فصار يرى المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، حتى ظل علم الدين مندرسا ، ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا ، ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة تستعين به القضاة على فصل الخصام ، عند تهاوش الطغام أو جدل يتدرع به طالب المباهاة إلى الغلبة والإفحام ، أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام ، إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام ، وشبكة للحطام ، فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح ، وهي جمع الهمم بصفاء الإلهام والغربة : ثلاثة . غربة عن الأوطان من أجل حقيقة القصد ، وغربة عن الأحوال من حقيقة التفرد بالأحوال ، وغربة عن الحق من حقيقة الدهش عن المعرفة والاصطلام : نعت ، وله برد على القلوب بقوة سلطان فيستكنها والمكر : ثلاثة . مكر عموم : وهو الظاهر في بعض الأحوال ، ومكر خصوص وهو في سائر الأحوال ، ومكر خفي في إظهار الآيات والكرامات والرغبة : ثلاثة . رغبة النفس في الثواب ، ورغبة القلب في الحقيقة ، ورغبة السر في الحق والرهبة : رهبة الغيب لتحقيق أمر السبق والوجد : مصادفة القلب بصفاء ذكر كان قد فقده والوجود : تمام وجد الواجدين وهو أتم الوجد عندهم ، وسئل بعضهم عن
إحياء علوم الدين — صفحة 11
مساهمون: الغزالي
ص١١