تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
يستغنى عنه في الظاهر ، وله إليه كثير حاجة في الباطن ، ولا تقف به حيث وقف به كلامه ، فالمعاني أوسع من العبارات ، والصدور أفسح من الكتب المؤلفات ، وكثير علم مما لم يعبر عنه ، واطمح بنظر قلبك في كلامه إلى غاية ما يحتمل ، فذلك يعرفك قدره ويفتح باب قصده ، ولا تقطع له بصحة ، ولا تحكم عليه بفساد ، وليكن تحسين النظر أغلب عليك فيه ، حتى يزول الإشكال عنك ، بما تتيقن من معانيه ، وإذا رأيت له حسنة وسيئة فانشر الحسنة ، واطلب المعاذير للسيئة ، ولا تكن كالذبابة تنزل على أقذر ما تجده ، ولا تعجل على أحد بالتخطئة ، ولا تبادر بالتجهيل فربما عاد عليك ذلك وأنت لا تشعر ، فلكل عالم عورة ، وله في بعض ما يأتي به احتجاج ، وناهيك ما جرى بين وليّ الله تعالى الخضر وكليمه موسى ، على نبينا وعليهما السلام ، وإذا عرض لك من كلام عالم إشكال يؤذن في الظاهر بمحال ، أو اختلال ، فخذ ما ظهر لك علمه ، ودع ما اعتاص عليك فهمه ، وكل العلم فيه إلى الله عز وجل ، فهذه وصيتي لك ، فاحفظها ، وتذكيري إياك فلا تذهل عنه
اسمع وصيتي إن تحفظ حظيت بها وإن تخالف فقد يردي بك الخلف
وأزيدك زيادة تقتضي التعريف بأصناف العلماء ، لكي يعرف أهل الحقيقة من غيرهم ، فلك في ذلك أكبر منفعة ، ولي في وصفهم أبلغ غرض ، قال علماؤنا : العلماء ثلاثة . حجة ، وحجاج ، ومحجوج ، فالحجة : عالم باللَّه وبأمره وبآياته ، مهتما بالخشية لله سبحانه ، والورع في الدين ، والزهد في الدنيا ، والإيثار لله عز وجل ، والحجاج : مدفوع إلى إقامة الحجة ، وإطفاء نار البدعة ، قد أخرس المتكلمين ، وأفحم المتخرصين ، برهانه ساطع ، وبيانه قاطع ، وحفظه ما ينازع ، شواهده بينة ، ونجومه نيرة ، قد حمى صراط الله المستقيم ، والمحجوج : عالم باللَّه ، وبأمره ، وبآياته ولكنه فقد الخشية لله برؤيته لنفسه ، وحجبه عن الورع والزهد في الدنيا ، والرغبة والحرص ، وبعّده من بركات علمه محبة العلوّ والشرف ، وخوف السقوط والفقر ، فهو عبد لعبيد الدنيا ، خادم لخدمها ، مفتون بعد علمه ، مغتر بعد معرفته ، مخذول بعد نصرته ، شأنه الاحتقار لنعم الله ، والازدراء لأوليائه ، والاستحلاف