يوم يا رب إن أعطيت أحدا من المحبين لك ما يسكن به قلبه قبل لقائك فأعطني ذلك ، فقد أضر بي القلق . قال فرأيت في النوم أنه أوقفنى بين يديه وقال : يا إبراهيم ، أما استحييت منى أن تسألني أن أعطيك ما يسكن به قلبك قبل لقائي ! وهل يسكن المشتاق قبل لقاء حبيبه ! فقلت يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول فاغفر لي وعلمني ما أقول فقال . قل اللهم رضني بقضائك . وصبرنى على بلائك ، وأوزعنى شكر نعمائك ، فإن هذا الشوق يسكن في الآخرة وأما الشوق الثاني : فيشبه أن لا يكون له نهاية لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إذ نهايته أن ينكشف للعبد في الآخرة من جلال الله تعالى ، وصفاته ، وحكمته ، وأفعاله ، ما هو معلوم لله تعالى ، وهو محال ، لأن ذلك لا نهاية له ، ولا يزال العبد عالما بأنه بقي من الجمال والجلال ما لم يتضح له ، فلا يسكن قط شوقه ، لا سيما من يرى فوق درجته درجات كثيرة ، إلا أنه تشوق إلى استكمال الوصال مع حصول أصل الوصال ، فهو يجد لذلك شوقا لذيذا لا يظهر فيه ألم . ولا يبعد أن تكون ألطاف الكشف والنظر متوالية إلى غير نهاية ، فلا يزال النعيم واللذة متزايدا أبد الآباد ، وتكون لذة ما يتجدد من لطائف النعيم شاغلة عن الإحساس بالشوق إلى ما لم يحصل ، وهذا بشرط أن يمكن حصول الكشف فيما لم يحصل فيه كشف في الدنيا أصلا . فإن كان ذلك غير مبذول فيكون النعيم واقفا على حد لا يتضاعف ، ولكن يكون مستمرا على الدوام : وقوله سبحانه وتعالى * ( نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا « 1 » ) * محتمل لهذا المعنى ، وهو أن ينعم عليه بإتمام النور مهما تزود من الدنيا أصل النور . ويحتمل أن يكون المراد به إتمام النور في غير ما استنار في الدنيا استنارة محتاجة إلى مزيد الاستكمال والإشراق ، فيكون هو المراد بتمامه . وقوله تعالى * ( انْظُرُونا نَقْتَبِسْ من نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً « 2 » ) * يدل على أن الأنوار لا بد وأن يتزود أصلها في الدنيا ، ثم يزداد في الآخرة إشراقا . فأما أن يتجدد نور فلا . والحكم في هذا برجم الظنون مخطر ، ولم ينكشف لنا فيه بعد ما يوثق به ، فنسأل الله تعالى أن يزيدنا علما ورشدا ، ويرينا الحق حقا ، فهذا القدر من أنوار البصائر كاشف لحقائق الشوق ومعانيه وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى . فما اشتهر من دعاء رسول الله
هامش
« 1 » التحريم : 8
« 2 » الحديد : 13