أفنجترئ على الدعاء وقد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا ، فأدم لنا لزوم الطريق إليك ، وأتمم بذلك المنة علينا . وقال الآخر : نحن مقصرون في طلب رضاك ، فأعنا علينا بجودك وقال الآخر : من نطفة خلقتنا ، ومننت علينا بالفكر في عظمتك ، أفيجترئ على الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك ، وطلبتنا الدنو من نورك وقال الآخر : كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك ، وقربك من أوليائك ، وكثرة منتك على أهل محبتك . وقال الآخر : أنت هديت قلوبنا لذكرك ، وفرغتنا للاشتغال بك ، فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك وقال الآخر : قد عرفت حاجتنا إنما هي النظر إلى وجهك وقال الآخر : كيف يجترئ العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك ، فهب لنا نورا نهتدي به في الظلمات من أطباق السماوات وقال الآخر : ندعوك أن تقبل علينا ، وتديمه عندنا . وقال الآخر . نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا ، وتفضلت به علينا . وقال الآخر : لا حاجة لنا في شيء من خلقك ، فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك وقال الآخر : أسألك من بينهم أن تعمى عيني عن النظر إلى الدنيا وأهلها ، وقلبي عن الاشتغال بالآخرة . وقال الآخر : قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أوليائك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم : قد سمعت كلامكم ، وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه ، وليتخذ لنفسه سربا ، فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا إلى نوري وجلالي . فقال داود : يا رب بم نالوا هذا منك ؟ قال بحسن الظن والكلف عن الدنيا وأهلها ، والخلوات بي ، ومناجاتهم لي ، وإن هذا منزل لا يناله إلا من رفض الدنيا وأهلها ، ولم يشتغل بشيء من ذكرها ، وفرغ قلبه لي ، واختارني على جميع خلقي فعند ذلك أعطف عليه ، وأفرغ نفسه ، وأكشف الحجاب فيما بيني وبينه حتى ينظر إلىّ نظر الناظر بعينه إلى الشيء ، وأريه كرامتي في كل ساعة ، وأقربه من نور وجهي ، إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها ، وإن عطش أرويته ، وأذيقه طعم ذكرى
إحياء علوم الدين — صفحة 93
مساهمون: الغزالي
ص٩٣