تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور هذا مع أن النور أظهر المحسوسات ، إذ به تدرك سائر المحسوسات فما هو ظاهر في نفسه وهو يظهر لغيره ، انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده . فاللَّه تعالى هو أظهر الأمور ، وبه ظهرت الأشياء كلها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السماوات والأرض ، وبطل الملك والملكوت ، ولأدرك بذلك التفرقة بين الحالتين . ولو كان بعض الأشياء موجودا به وبعضها موجودا بغيره لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة ، ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورثت شدة الظهور خفاء فهذا هو السبب في قصور الأفهام وأما من قويت بصيرته ، ولم تضعف منته ، فإنه في حال اعتدال أمره لا يرى إلا الله تعالى ولا يعرف غيره ، يعلم أنه ليس في الوجود إلا الله ، وأفعاله أثر من آثار قدرته ، فهي تابعة له ، فلا وجود لها بالحقيقة دونه ، وإنما الوجود للواحد الحق الذي به وجود الأفعال كلها . ومن هذه حاله فلا ينظر في شيء من الأفعال إلا ويرى فيه الفاعل ، ويذهل عن الفعل من حيث إنه سماء ، وأرض ، وحيوان ، وشجر بل ينظر فيه من حيث إنه صنع الواحد الحق ، فلا يكون نظره مجاوزا له إلى غيره ، كمن نظر في شعر إنسان ، أو خطه أو تصنيفه ، ورأى فيها الشاعر والمصنف ، ورأى آثاره من حيث أثره لا من حيث إنه حبر ، وعفص ، وزاج مرقوم على بياض ، فلا يكون قد نظر إلى غير المصنف وكل العالم تصنيف الله تعالى ، فمن نظر إليه من حيث إنه فعل الله وعرفه من حيث إنه فعل الله ، وأحبه من حيث إنه فعل الله ، لم يكن ناظرا إلا في الله ، ولا عارفا إلا با لله ، ولا محبا إلا له وكان هو الموحد الحق الذي لا يرى إلا الله ، بل لا ينظر إلى نفسه من حيث نفسه ، بل من حيث إنه عبد الله . فهذا الذي يقال فيه إنه فنى في التوحيد وإنه في عن نفسه وإليه الإشارة بقول من قال كنّا بنا ، ففنينا عنا ، فبقينا بل نحن فهذه أمور معلومة عند ذوي البصائر أشكلت لضعف الأفهام عن دركها ، وقصور قدرة العلماء بها عن إيضاحها وبيانها بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام ، أو باشتغالهم بأنفسهم واعتقادهم أن بيان ذلك لغيرهم مما لا يعنيهم فهذا هو السبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى ، وانضم إليه أن المدركات كلها