تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
التي هي شاهدة على الله إنما يدركها الإنسان في الصبا عند فقد العقل ، ثم تبدو فيه غريزة العقل قليلا قليلا وهو مستغرق الهم بشهواته ، وقد أنس بمدركاته ومحسوساته وألفها ، فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس . ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيوانا غريبا أو نباتا غريبا أو فعلا من أفعال الله تعالى خارقا للعادة عجيبا ، انطلق لسانه بالمعرفة طبعا فقال سبحان الله وهو يرى طول النهار نفسه وأعضاءه ، وسائر الحيوانات المألوفة ، وكلها شواهد قاطعة لا يحس بشهادتها لطول الأنس بها . ولو فرض أكمه بلغ عاقلا ، ثم انقشعت غشاوة عينه فامتد بصره إلى السماء ، والأرض ، والأشجار ، والنبات ، والحيوان ، دفعة واحدة على سبيل الفجأة ، لخيف على عقله أن ينبهر لعظم تعجبه من شهادة هذه العجائب لخالقها فهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشهوات هو الذي سد على الخلق سبيل الاستضاءة بأنوار المعرفة ، والسباحة في بحارها الواسعة ، فالناس في طلبهم معرفة الله كالمدهوش الذي يضرب به المثل إذا كان راكبا لحماره وهو يطلب حماره ، والجليات إذا صارت مطلوبة صارت معتاصة ، فهذا سر هذا الأمر فليحقق ، ولذلك قيل
لقد ظهرت فما تخفى على أحد إلا على أكمه لا يعرف القمرا لكن بطنت بما أظهرت محتجبا فكيف يعرف من بالعرف قد سترا
بيان معنى الشوق إلى الله تعالى اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة لله تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق ، إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب . ونحن نثبت وجود الشوق إلى الله تعالى ، وكون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر ، وبطريق الأخبار والآثار أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب ، فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة ، فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه . فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر والموجود لا يطلب . ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه . فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه ، فإن من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لا يتصور أن يشتاق إليه . وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه . وكمال الإدراك بالرؤية ،