ونظام مملكته من أعلى عليين إلى أسفل السافلين . فإنها خالية عن المزاحمات والمكدرات ، متسعة للمتواردين عليها ، لا تضيق عنهم بكبرها ، وإنما عرضها من حيث التقدير السماوات والأرض ، وإذا خرج النظر عن المقدورات فلا نهاية لعرضها ، فلا يزال العارف بمطالعتها في جنة عرضها السماوات والأرض ، يرتع في رياضها ، ويقطف من ثمارها ، ويكرع من حياضها ، وهو آمن من انقطاعها ، إذ ثمار هذه الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة . ثم هي أبدية سرمدية لا يقطعها الموت ، إذ الموت لا يهدم محل معرفة الله تعالى ، ومحلها الروح الذي هو أمر رباني سماوي ، وإنما الموت يغير أحوالها ، ويقطع شواغلها وعوائقها ، ويخليها من حبسها ، فأما أن يعدمها فلا . * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِه ِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ « 1 » ) * الآية . ولا تظن أن هذا مخصوص بالمقتول في المعركة ، فإن للعارف بكل نفس درجة ألف شهيد . وفي الخبر [ 1 ] أن الشهيد يتمنى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة ، وأن الشهداء يتمنون لو كانوا علماء لما يرونه من علو درجة العلماء فإذا جميع أقطار ملكوت السماوات والأرض ميدان العارف ، يتبوأ منه حيث يشاء من غير حاجة إلى أن يتحرك إليها بجسمه وشخصه ، فهو من مطالعة جمال الملكوت في جنة عرضها السماوات والأرض ، وكل عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعض أصلا ، إلا أنهم يتفاوتون في سعة منتزهاتهم بقدر تفاوتهم في اتساع نظرهم وسعة معارفهم وهم درجات عند الله . ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم فقد ظهر أن لذة الرئاسة وهي باطنة ، أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواس كلها ، وأن هذه اللذة لا تكون لبهيمة ، ولا لصبي ، ولا لمعتوه ، وأن لذة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذة الرئاسة ولكن يؤثرون الرئاسة فأما معنى كون معرفة الله ، وصفاته ، وأفعاله ، وملكوت سماواته وأسرارهم ملكه
شرح
[ 1 ] حديث ان الشهيد يتمنى أن يرد في الآخرة إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى - الحديث : متفق عليه من حديث أنس وقد تقدم وليس فيه وان الشهداء يتمنون أن يكونوا علماء - الحديث
هامش
« 1 » آل عمران : 169 ، 170