تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
أعظم لذة من الرئاسة ، فهذا يختص بمعرفته من نال رتبة المعرفة وذاقها ، ولا يمكن إثبات ذلك عند من لا قلب له ، لأن القلب معدن هذه القوّة ، كما أنه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذة اللعب بالصولجان عند الصبيان ، ولا رجحانه على لذة شم البنفسج عند العنين لأنه فقد الصفة التي بها تدرك هذه اللذة . ولكن من سلم من آفة العنة ، وسلم حاسة شمه أدرك التفاوت بين اللذتين ، وعند هذا لا يبقى إلا أن يقال من ذاق عرف ولعمري طلاب العلوم وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة الأمور الإلهية ، فقد استنشقوا رائحة هذه اللذة عند انكشاف المشكلات وانحلال الشبهات التي قوى حرصهم على طلبها فإنها أيضا معارف وعلوم ، وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهية . فأما من طال فكره في معرفة الله سبحانه ، وقد انكشف له من أسرار ملك الله ولو الشيء اليسير فإنه يصادف في قلبه عند حصول الكشف من الفرح ما يكاد يطير به ، ويتعجب من نفسه في ثباته واحتماله لقوّة فرحه وسروره وهذا مما لا يدرك إلا بالذوق ، والحكاية فيه قليلة الجدوى فهذا القدر ينبهك على أن معرفة الله سبحانه ألذ الأشياء ، وأنه لا لذة فوقها ، ولهذا قال أبو سليمان الداراني : إن لله عبادا ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة ، فكيف تشغلهم الدنيا عن الله ! ولذلك قال بعض إخوان معروف الكرخي له : أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء ، هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت . فقال ذكر الموت ؟ فقال وأي شيء الموت فقال ذكر القبر والبرزخ ؟ فقال وأي شيء القبر ؟ فقال خوف النار ورجاء الجنة ؟ فقال وأي شيء هذا ؟ إن ملكا هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك ، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا وفي أخبار عيسى عليه السلام : إذا رأيت الفتى مشغوفا بطلب الرب تعالى ، فقد ألهاه ذلك عما سواه . ورأى بعض الشيوخ بشر بن الحارث في النوم فقال : ما فعل أبو نصر التمار ، وعبد الوهاب الوراق ؟ فقال : تركتهما الساعة بين يدي الله تعالى يأكلان ويشربان قلت فأنت ؟ قال علم الله قلة رغبتي في الأكل والشرب ، فأعطاني النظر إليه وعن علي بن الموفق قال : رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة ، فرأيت رجلا قاعدا على مائدة ، وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل . ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفح وجوه الناس ، فيدخل بعضا ويرد بعضا . قال : ثم جاوزتهما
إحياء علوم الدين — صفحة 67 | الغزالي