تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
السبب السادس : أن يستشعر العبد في نفسه مبادى البطر والطغيان بطول مدة الصحة فيترك التداوي خوفا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة ، والبطر ، والطغيان أو طول الأمل ، والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات ، فإن الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى ، وتتحرك الشهوات ، وتدعو إلى المعاصي . وأقلها أن تدعو إلى التنعم في المباحات ، وهو تضييع للأوقات ، وإهمال للربح العظيم في مخالفة النفس وملازمة الطاعات وإذا أراد الله بعبد خيرا لم يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب . ولذلك قيل ، لا يخلو المؤمن من علة ، أو قلة ، أو زلة . وقد روي أن الله تعالى يقول . الفقر سجنى ، والمرض قيدي أحبس به من أحب من خلقي . فإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي فأي خير يزيد عليه ! ولم ينبغ أن يشتغل بعلاجه من يخاف ذلك على نفسه . فالعافية في ترك المعاصي . فقد قال بعض العارفين لإنسان . كيف كنت بعدي ؟ قال في عافية . قال إن كنت لم تعص الله عز وجل فأنت في عافية . وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوأ من المعصية ! ما عوفي من عصى الله . وقال علي كرم الله وجهه ، لما رأى زينة النبط بالعراق في يوم عيد . ما هذا الذي أظهروه ؟ قالوا يا أمير المؤمنين هذا يوم عيد لهم . فقال كل يوم لا يعصى الله عز وجل فيه فهو لنا عيد . وقال تعالى * ( من بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ « 1 » ) * قيل العوافي * ( إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآه ُ اسْتَغْنى « 2 » ) * وكذلك إذا استغنى بالعافية وقال بعضهم إنما قال فرعون * ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى « 3 » ) * لطول العافية ، لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس ، ولم يحمّ له جسم ، ولم يضرب عليه عرق ، فادعى الربوبية ، لعنه الله . ولو أخذته الشقيقة يوما لشغلته عن الفضول فضلا عن دعوى الربوبية وقال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أكثروا من ذكر هاذم اللَّذّات » وقيل . الحمى رائد الموت ، فهو مذكر له ، ودافع للتسويف . وقال تعالى * ( أَولا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هُمْ يَذَّكَّرُونَ « 4 » ) * قيل يفتنون بأمراض يختبرون بها ويقال . إن العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب قال له ملك الموت . يا غافل ، جاءك منى
شرح
[ 1 ] حديث أكثروا ذكر هاذم اللذات : الترمذي وقال حسن غريب والنسائي وابن ماجة من حديث أبي هريرة وقد تقدم
هامش
« 1 » آل عمران : 152 « 2 » البلد : 6 « 3 » النازعات : 24 : « 4 » التوبة : 126
إحياء علوم الدين — صفحة 31 | الغزالي