ترك الحجامة والفصد عند تبيغ الدم . فإن قيل : إن ذلك أيضا شرط ، فليكن من شرطه أن تلدغه العقرب أو الحية فلا ينحيها عن نفسه ، إذ الدم يلدغ الباطن ، والعقرب تلدغ الظاهر ، فأي فرق بينهما . فإن قال . وذلك أيضا شرط التوكل ، فيقال ينبغي أن لا يزيل لدغ العطش بالماء ولدغ الجوع بالخبز ، ولدغ البرد بالجبة . وهذا لا قائل به . ولا فرق بين هذه الدرجات فإن جميع ذلك أسباب رتبها مسبب الأسباب سبحانه وتعالى ، وأجرى بها سنته ويدل على أن ذلك ليس من شرط التوكل ما روي عن عمر رضي الله عنه ، وعن الصحابة في قصة الطاعون ، فإنهم لما قصدوا الشام ، وانتهوا إلى الجابية بلغهم الخبر أن به موتا عظيما ووباء ذريعا . فافترق الناس فرقتين . فقال بعضهم لا ندخل على الوباء ، فنلقي بأيدينا إلى التهلكة ، وقالت طائفة أخرى بل ندخل ونتوكل ، ولا نهرب من قدر الله تعالى ، ولا نفر من الموت فنكون ، كمن قال الله تعالى فيهم * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا من دِيارِهِمْ وهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ « 1 » ) * فرجعوا إلى عمر فسألوه عن رأيه ، فقال نرجع ولا ندخل على الوباء ، فقال له المخالفون في رأيه . أنفرّ من قدر الله تعالى ؟ قال عمر : نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله . ثم ضرب لهم مثلا فقال . أرأيتم لو كان لأحدكم غنم ، فهبط واديا له شعبتان إحداهما مخصبة ، والأخرى مجدبة . أليس إن رعى المخصبة رعاها بقدر الله تعالى ، وإن رعى المجدبة رعاها بقدر الله تعالى ؟ فقالوا نعم . ثم طلب عبد الرحمن بن عوف ليسأله عن رأيه وكان غائبا ، فلما أصبحوا جاء عبد الرحمن فسأله عمر عن ذلك ، فقال عندي فيه يا أمير المؤمنين شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عمر . الله أكبر : فقال عبد الرحمن [ 1 ] سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول « إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه » ففرح عمر رضي الله عنه بذلك وحمد الله تعالى إذ وافق رأيه ، ورجع من الجابية بالناس . فإذا كيف اتفق الصحابة
شرح
[ 1 ] حديث عبد الرحمن بن عوف إذا سمعتم بالوباء في أرض فلا تقدموا عليه - الحديث : وفي أوله قصة خروج عمر بالناس إلى الجابية وانه بلغهم أن بالشام وباء - الحديث : رواه البخاري
هامش
« 1 » البقرة : 243