تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
والبلاء أحبّ قوم المرض واغتنموه ، لينالوا ثواب الصبر عليه ، فكان منهم من له علة يخفيها ولا يذكرها للطبيب ، ويقاسى العلة ، ويرضى بحكم الله تعالى ، ويعلم أن الحق أغلب على قلبه من أن يشغله المرض عنه ، وإنما يمنع المرض جوارحه . وعلموا أن صلاتهم قعودا مثلا مع الصبر على قضاء الله تعالى ، أفضل من الصلاة قياما مع العافية والصحة . ففي الخبر [ 1 ] « إنّ الله تعالى يقول للملائكته اكتبوا لعبدي صالح . ما كان يعمله فإنّه في وثاقي إن أطلقته أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وإن توفيته توفيته إلى رحمتي » وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النّفوس » فقيل معناه ما دخل عليه من الأمراض والمصائب . وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ « 1 » ) * . وكان سهل يقول : ترك التداوي وإن ضعف عن الطاعات وقصر عن الفرائض ، أفضل من التداوي لأجل الطاعات . وكانت به علة عظيمة فلم يكن يتداوى منها . وكان يداوي الناس منها . وكان إذا رأى العبد يصلى من قعود . ولا يستطيع أعمال البر من الأمراض ، فيتداوى للقيام إلى الصلاة والنهوض إلى الطاعات ، يعجب من ذلك ويقول : صلاته من قعود مع الرضا بحاله أفضل من التداوي للقوّة والصلاة قائما وسئل عن شرب الدواء فقال : كل من دخل في شيء من الدواء فإنما هو سعة من الله تعالى لأهل الضعف . ومن لم يدخل في شيء منه فهو أفضل ، لأنه إن أخذ شيئا من الدواء ولو كان هو الماء البارد يسئل عنه لم أخذه ، ومن لم يأخذ فلا سؤال عليه . وكان مذهبه ومذهب البصريين تضعيف النفس بالجوع وكسر الشهوات ، لعلمهم بأن ذرة من أعمال لقلوب مثل الصبر ، والرضا ، والتوكل ، أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح . والمرض لا يمنع من أعمال القلوب إلا إذا كان ألمه غالبا مدهشا . وقال سهل رحمه الله : علل الأجسام رحمة ، وعلل القلوب عقوبة
شرح
[ 1 ] حديث ان الله يقول للملائكة اكتبوا لعبدي صالح ما كان يعمل فإنه في وثاقي - الحديث : الطبراني من حديث عبد الله بن عمر وقد تقدم [ 2 ] حديث أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس : تقدم ولم أجده مرفوعا
هامش
« 1 » البقرة : 216
إحياء علوم الدين — صفحة 29 | الغزالي