وأسمع صوتا ، وتسلم عليّ الملائكة ، فلما اكتويت انقطع ذلك عنى . وكان يقول : اكتوينا كيات ، فوالله ما أفلحت ولا أنجحت . ثم تاب من ذلك وأناب إلى الله تعالى ، فرد الله تعالى عليه ما كان يجد من أمر الملائكة . وقال المطرف بن عبد الله . ألم تر إلى الملائكة التي كان أكرمني الله بها قد ردها الله تعالى عليّ بعد أن كان أخبره بفقدها فإذا الكي وما يجرى مجراه هو الذي لا يليق بالمتوكل ، لأنه يحتاج في استنباطه إلى تدبير ، ثم هو مذموم ، ويدل ذلك على شدة ملاحظة الأسباب وعلى التعمق فيها ، والله أعلم
بيان أن ترك التداوي قد يحمد في بعض الأحوال ويدل على قوة التوكل
وأن ذلك لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلم أن الذين تداووا من السلف لا ينحصرون . ولكن قد ترك التداوي أيضا جماعة من الأكابر . فربما يظن أن ذلك نقصان لأنه لو كان كما لا لتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله . وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قيل له . لو دعونا لك طبيبا ؟ فقال . الطبيب قد نظر إليّ وقال إني فعال لما أريد وقيل لأبي الدرداء في مرضه . ما تشتكي ؟ قال ذنوبي . قيل فما تشتهي ؟ قال مغفرة ربي قالوا . ألا ندعو لك طبيبا ؟ قال الطبيب أمرضني . وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه . لو داويتهما ؟ قال . إني عنهما مشغول . فقيل له : لو سألت الله تعالى أن يعافيك ؟ فقال : أسأله فيما هو أهم عليّ منهما . وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج . فقيل له . لو تداويت ؟ فقال قد هممت ثم ذكرت عادا وثمود وأصحاب الرس ، وقرونا بين ذلك كثيرا ، وكان فيهم الأطباء فهلك المداوى والمداوى ، ولم تغن الرقي شيئا . وكان أحمد بن حنبل يقول . أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره . وكان به علل فلا يخبر المتطيب بها أيضا إذا سأله . وقيل لسهل . متى يصح للعبد التوكل ؟ قال إذا دخل عليه الضرر في جسمه ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه شغلا بحاله ، وينظر إلى قيام الله تعالى عليه فإذا منهم من ترك التداوي وراءه ، ومنهم من كرهه . ولا يتضح وجه الجمع بين فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعالهم إلا بحصر الصوارف عن التداوي
إحياء علوم الدين — صفحة 26
مساهمون: الغزالي
ص٢٦