والثاني : أن الدواء يسهل ، والسكنجبين يسكن الصفراء بشروط أخر في الباطن ، وأسباب في المزاج ربما يتعذر الوقوف على جميع شروطها ، وربما بفوت بعض الشروط ، فيتقاعد الدواء عن الإسهال . وأما زوال العطش فلا يستدعى سوى الماء شروطا كثيرة وقد يتفق من العوارض ما يوجب دوام العطش مع كثرة شرب الماء ، ولكنه نادر واختلال الأسباب أبدا ينحصر في هذين الشيئين . وإلا فالمسبب يتلو السبب لا محالة مهما تمت شروط السبب . وكل ذلك بتدبير مسبب الأسباب وتسخيره وترتيبه ، بحكم حكمته وكمال قدرته . فلا يضر المتوكل استعماله مع النظر إلى مسبب الأسباب دون الطبيب والدواء فقد روي عن موسى صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رب ممن الداء والدواء ؟ فقال تعالى منى . قال فما يصنع الأطباء ؟ قال يأكلون أرزاقهم ويطيبون نفوس عبادي حتى يأتي شفائي أو قضائي . فإذا معنى التوكل مع التداوي التوكل بالعلم والحال كما سبق في فنون الأعمال الدافعة للضرر ، الجالبة للنفع . فأما ترك التداوي رأسا فليس شرطا فيه فإن قلت : فالكي أيضا من الأسباب الظاهرة النفع . فأقول ليس كذلك .
إذ الأسباب الظاهرة مثل الفصد ، والحجامة ، وشرب المسهل ، وسقي المبردات للمحرور .
وأما الكي فلو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثيرة عنه . وقلما يعتاد الكلي في أكثر البلاد . وإنما ذلك عادة بعض الأتراك والأعراب . فهذا من الأسباب الموهومة كالرقي ، إلا أنه يتميز عنها بأمر وهو أنه احتراق بالنار في الحال مع الاستغناء عنه ، فإنه ما من وجع يعالج بالكي إلا وله دواء يغنى عنه ليس فيه إحراق . فالإحراق بالنار جرح مخرب للبنية . محذور السراية مع الاستغناء عنه ، بخلاف الفصد والحجامة فإن سرايتهما بعيدة ، ولا يسد مسدهما غيرهما ولذلك [ 1 ] نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي دون الرقي ، وكل واحد منهما بعيد عن التوكل . وروي أن عمران بن الحصين اعتل ، فأشاروا عليه بالكي ، فامتنع . فلم يزالوا به ، وعزم عليه الأمر حتى اكتوى . فكان يقول . كنت أرى نورا ،
شرح
[ 1 ] حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي دون الرق . البخاري من حديث ابن عباس وأنهى أمتي عن الكي وفي الصحيحين من حديث عائشة رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة