تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
فإذا قصد به رياء أو تعظيم شخص آخر ، لم يكن وجوده كعدمه ، بل زاده شرا . فإنه لم يؤكد الصفة المطلوب تأكيدها حتى أكد الصفة المطلوب قمعها ، وهي صفة الرياء التي هي من الميل إلى الدنيا فهذا وجه كون النية خيرا من العمل . وبهذا أيضا يعرف معنى قوله صلى الله عليه وسلم « من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة » لأن هم القلب هو ميله إلى الخير ، وانصرافه عن الهوى وحب الدنيا ، وهي غاية الحسنات . وإنما الإتمام بالعمل يزيدها تأكيدا . فليس المقصود من إراقة دم القربان الدم واللحم ، بل ميل القلب عن حب الدنيا ، وبذلها إيثارا لوجه الله تعالى . وهذه الصفة قد حصلت عند جزم النية والهمة ، وإن عاق عن العمل عائق فلن ينال الله لحومها ولا دماؤها ، ولكن يناله التقوى منكم . والتقوى هاهنا أعنى القلب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم « إن قوما بالمدينة قد شركونا في جهادنا » كما تقدم ذكره لأن قلوبهم في صدق إرادة الخير ، وبذل المال والنفس ، والرغبة في طلب الشهادة وإعلاء كلمة الله تعالى ، كقلوب الخارجين في الجهاد . وإنما فارقوهم بالأبدان لعوائق تخص الأسباب الخارجة عن القلب ، وذلك غير مطلوب إلا لتأكيد هذه الصفات وبهذه المعاني تفهم جميع الأحاديث التي أوردناها في فضيلة النية ، فاعرضها عليها لينكشف لك أسرارها فلا نطول بالإعادة بيان تفصيل الأعمال المتعلقة بالنية اعلم أن الأعمال وإن انقسمت أقساما كثيرة من فعل ، وقول ، وحركة ، وسكون ، وجلب ، ودفع . وفكر ، وذكر ، وغير ذلك مما لا يتصور إحصاؤه واستقصاؤه ، فهي ثلاثة أقسام : طاعات ، ومعاص ، ومباحات . القسم الأول : المعاصي وهي لا تتغير عن موضعها بالنية . فلا ينبغي أن يفهم الجاهل ذلك من عموم قوله عليه السلام « إنما الأعمال بالنيات » فيظن أن المعصية تنقلب طاعة بالنية . كالذي يغتاب إنسانا مراعاة لقلب غيره ، أو يطعم فقيرا من مال غيره ، أو يبنى مدرسة أو مسجدا أو رباطا بمال حرام . وقصده الخير ، فهذا كله جهل ، والنية لا تؤثر في إخراجه عن كونه ظلما ، وعدوانا ، ومعصية . بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شر آخر . فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله
إحياء علوم الدين — صفحة 165 | الغزالي