تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
والرعايا والأتباع . فالجوارح خادمة للقلب بتأكيد صفاتها فيه . فالقلب هو المقصود ، والأعضاء آلات موصلة إلى المقصود . ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد » وقال عليه السلام [ 2 ] « اللهم أصلح الراعي والرعية » وأراد بالراعي القلب وقال الله تعالى * ( لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها ولا دِماؤُها ولكِنْ يَنالُه ُ التَّقْوى مِنْكُمْ « 1 » ) * وهي صفة القلب فمن هذا الوجه يجب لا محالة أن تكون أعمال القلب على الجملة أفضل من حركات الجوارح . ثم يجب أن تكون النية من جملتها أفضل ، لأنها عبارة عن ميل القلب إلى الخير وإرادته له . وغرضنا من الأعمال بالجوارح أن يعود القلب إرادة الخير ، ويؤكد فيه الميل إليه ، ليفرغ من شهوات الدنيا ، ويكب على الذكر والفكر ، فبالضرورة يكون خيرا بالإضافة إلى الغرض ، لأنه متمكن من نفس المقصود . وهذا كما أن المعدة إذا تألمت فقد تداوى بأن يوضع الصلاة على الصدر ، وتداوى بالشرب والدواء الواصل إلى المعدة فالشرب خير من طلاء الصدر ، لأن طلاء الصدر أيضا إنما أريد به أن يسري منه الأثر إلى المعدة ، فما يلاقى عين المعدة فهو خير وأنفع فهكذا ينبغي أن تفهم تأثير الطاعات كلها ، إذ المطلوب منها تغيير القلوب وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح . فلا تظنن أن في وضع الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض ، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب ، فإن من يجد في نفسه تواضعا . فإذا استكان بأعضائه وصورها بصورة التواضع تأكد تواضعه ومن وجد في قلبه رقة على يتيم ، فإذا مسح رأسه وقبله تأكدت الرقة في قلبه . ولهذا لم يكن العمل بغير نية مفيدا أصلا ، لأن من يمسح رأس يتيم وهو غافل بقلبه ، أو ظان أنه يمسح ثوبا ، لم ينتشر من أعضائه أثر إلى قلبه لتأكيد الرقة . وكذلك من يسجد غافلا وهو مشغول الهم بأعراض الدنيا لم ينتشر من جبهته ووضعها على الأرض أثر إلى قلبه يتأكد به التواضع ، فكان وجود ذلك كعدمه ، وما ساوى وجوده عدمه بالإضافة إلى الغرض المطلوب منه يسمى باطلا . فيقال : العبادة بغير نية باطلة . وهذا معناه إذا فعل عن غفلة .
شرح
[ 1 ] حديث إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد : متفق عليه من حديث النعمان بن بشير وقد تقدم [ 2 ] حديث اللهم أصلح الراعي والرعية . تقدم ولم أجده
هامش
« 1 » الحج : 37