تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
فهو عاص بجهله ، إذا طلب العلم فريضة على كل مسلم . والخيرات إنما يعرف كونها خيرات بالشرع ، فكيف يمكن أن يكون الشر خيرا ! هيهات ، بل المروج لذلك على القلب خفي الشهوة وباطن الهوى ، فإن القلب إذا كان مائلا إلى طلب الجاه ، واستمالة قلوب الناس ، وسائر حظوظ النفس ، توسل الشيطان به إلى التلبيس على الجاهل . ولذلك قال سهل رحمه الله تعالى : ما عصي الله تعالى بمعصية أعظم من الجهل . قيل يا أبا محمد : هل تعرف شيئا أشد من الجهل ؟ قال نعم : الجهل بالجهل . وهو كما قال : لأن الجهل بالجهل يسد بالكلية باب التعلم . فمن يظن بالكلية بنفسه أنه عالم فكيف يتعلم ؟ وكذلك أفضل ما أطيع الله تعالى به العلم ، ورأس العلم العلم بالعلم ، كما أن رأس الجهل الجهل بالجهل . فإن من لا يعلم العلم النافع من العلم الضار اشتغل بما أكب الناس عليه من العلوم المزخرفة التي هي وسائلهم إلى الدنيا ، وذلك هو مادة الجهل ، ومنبع فساد العالم . والمقصود أن من قصد الخير بمعصية عن جهل فهو غير معذور ، إلا إذا كان قريب العهد بالإسلام ، ولم يجد بعد مهلة للتعلم . وقد قال الله سبحانه * ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 1 » ) * وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « لا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله ولا للعالم أن يسكت على علمه » ويقرب من تقرب السلاطين ببناء المساجد والمدارس بالمال الحرام ، تقرب العلماء السوء بتعليم العلم للسفهاء والأشرار ، المشغولين بالفسق والفجور ، القاصرين هممهم على مماراة العلماء ، ومباراة السفهاء ، واستمالة وجوه الناس ، وجمع حطام الدنيا ، وأخذ أموال السلاطين ، واليتامى والمساكين ، فإن هؤلاء إذا تعلموا كانوا قطاع طريق الله ، وانتهض كل واحد منهم في بلدته نائبا عن الدجال ، يتكالب على الدنيا ، ويتبع الهوى ، ويتباعد عن التقوى ، ويستجرئ الناس بسبب مشاهدته على معاصي الله . ثم قد ينتشر ذلك العلم إلى مثله وأمثاله ، ويتخذونه أيضا آلة ووسيلة في الشر واتباع الهوى ، ويتسلسل ذلك ، ووبال جميعه يرجع إلى المعلم الذي علمه العلم مع علمه بفساد نيته وقصده . ومشاهدته أنواع المعاصي من أقواله
شرح
[ 1 ] حديث لا يعذر الجاهل على الجهل ولا يحل للجاهل أن يسكت على جهله - الحديث : الطبراني في الأوسط وابن السني وأبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث جابر بسند ضعيف دون قوله لا يعذر الجاهل على الجهل وقال لا ينبغي بدل ولا يحل وقد تقدم في العلم
هامش
« 1 » الأنبياء : 7
إحياء علوم الدين — صفحة 166 | الغزالي