وفي الأخبار السالفة أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله عز وجل الجوع ، والفقر ، والقمل ، عشر سنين ، فما أجيب إلى ما أراد . ثم أوحى الله تعالى إليه : كم تشكو ؟ هكذا كان بدؤك عندي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات والأرض ، وهكذا سبق لك منى ، وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا . أفتريد أن أعيد خلق الدنيا من أجلك . أم تريد أن أبدل ما قدرته عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب ، ويكون ما تريد فوق ما أريد ؟ وعزتي وجلالي لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى لأمحونك من ديوان النبوة .
وروي أن آدم عليه السلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون ، يجعل أحدهم رجله على أضلاعه كهيئة الدرج ، فيصعد إلى رأسه ، ثم ينزل على أضلاعه كذلك ، وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه . فقال له بعض ولده . يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك ؟ لو نهيته عن هذا ؟ فقال يا نبي ، إني رأيت ما لم تروا ، وعلمت ما لم تعلموا ، إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ، ومن دار النعيم إلى دار الشقاء ، فأخاف أن أتحرك أخرى فيصيبني ما لا أعلم وقال [ 1 ] أنس بن مالك رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين ، فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته ، ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته ، ولا قال في شيء كان ليته لم يكن ، ولا في شيء لم يكن ليته كان . وكان إذا خاصمنى مخاصم من أهله يقول « دعوه لو قضي شيء لكان » ويروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام . يا داود إنك تريد وأريد وإنما يكون ما أريد ، فإن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد . وإن لم تسلم لما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد وأما الآثار ، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما . أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال . وقال عمر بن عبد العزيز . ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر . وقيل له ما تشتهي ؟ فقال ما يقتضي الله تعالى . وقال ميمون بن مهران . من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء . وقال الفضيل . إن لم تصبر على تقدير الله لم تصبر على تقدير نفسك وقال عبد العزيز بن أبي رواد . ليس الشأن في أكل خبز الشعير والخل ، ولا في لبس الصوف والشعر ، ولكن الشأن في الرضا عن الله عز وجل
شرح
[ 1 ] حديث أنس خدمت النبي صلى الله عليه وسلم فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته - الحديث : منفق عليه وقد تقدم