تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إن الله عز وجل بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشك والسخط » بيان حقيقة الرضا وتصوره فيما يخالف الهوى اعلم أن من قال ليس فيما يخالف الهوى وأنواع البلاء إلا الصبر ، فأما الرضا فلا يتصور فإنما أنى من ناحية إنكار المحبة . فأما إذا ثبت تصور الحب لله تعالى ، واستغراق الهم به ، فلا يخفى أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب ، ويكون ذلك من وجهين . أحدهما : أن يبطل الإحسان بالألم حتى يجرى عليه المؤلم ولا يحس ، وتصيبه جراحة ولا يدرك ألمها . ومثاله الرجل المحارب ، فإنه في حال غضبه ، أو في حال خوفه ، قد تصيبه جراحة وهو لا يحس بها ، حتى إذا رأى الدم استدل به على الجراحة . بل الذي يغدو في شغل قريب قد تصيبه شوكة في قدمه ولا يحس بألم ذلك لشغل قلبه . بل الذي يحجم أو يحلق رأسه بحديدة كالة يتألم به ، فإن كان مشغول القلب بمهم من مهماته فرغ المزين والحجام وهو لا يشعر به . وكل ذلك لأن القلب إذا صار مستغرقا بأمر من الأمور ، مستوفى به ، لم يدرك ما عداه . فكذلك العاشق المستغرق الهم بمشاهدة معشوقة أو بحبه ، قد يصيبه ما كان يتألم به ، أو يغتم له لولا عشقه ، ثم لا يدرك غمه وألمه لفرط استيلاء الحب على قلبه . هذا إذا أصابه من غير حبيبه ، فكيف إذا أصابه من حبيبه وشغل القلب بالحب والعشق من أعظم الشواغل . وإذا تصور هذا في ألم يسير بسبب حب خفيف ، تصور في الألم العظيم بالحب العظيم . فإن الحب أيضا يتصور تضاعفه في القوة كما يتصور تضاعف الألم . وكما يقوى حب الصور الجميلة المدركة بحاسة البصر ، فكذا يقوى حب الصور الجميلة الباطنة المدركة بنور البصيرة . وجمال حضرة الربوبية وجلالها لا يقاس به جمال ولا جلال فمن ينكشف له شيء منه فقد يبهره بحيث يدهش ويغشى عليه ، فلا يحس بما يجرى عليه . فقد روي أن
شرح
[ 1 ] حديث ان الله بحكمته وجلاله جعل الروح والفرح في الرضا - الحديث : الطبراني من حديث ابن مسعود إلا أنه قال بقسطه وقد تقدم