فهذه سنة الله تعالى في عباده بالتفضيل ، والتقديم ، والتأخير ، على ما سبقت به المشيئة الأزلية .
وهذه القصص وردت في القرءان لتعرف بها سنة الله في عباده الذين خلوا من قبل ، فما في القرءان شيء إلا وهو هدي ونور ، وتعرف من الله تعالى إلى خلقه ، فتارة يتعرف إليهم بالتقديس فيقول * ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ « 1 » وتارة يتعرف إليهم بصفات جلاله فيقول * ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ « 2 » ) * وتارة يتعرف إليهم في أفعاله المخوفة والمرجوة ، فيتلو عليهم سنته في أعدائه وفي أنبيائه فيقول * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ « 3 » * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ « 4 » ولا يعدو القرءان هذه الأقسام الثلاثة ، وهي الإرشاد إلى معرفة ذات الله وتقديسه ، أو معرفة صفاته وأسمائه ، أو معرفة أفعاله وسنته مع عباده . ولما اشتملت سورة الإخلاص على أحد هذه الأقسام الثلاثة وهو التقديس ، وازنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلث القرءان فقال [ 1 ] « من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرءان » لأن منتهى التقديس أن يكون واحدا في ثلاثة أمور ، لا يكون حاصلا منه من هو نظيره وشبهه ، ودل عليه قوله * ( لَمْ يَلِدْ « 5 » ولا يكون حاصلا ممن هو نظيره وشبهه ، ودل عليه قوله * ( ولَمْ يُولَدْ « 6 » ولا يكون في درجته وإن لم يكن أصلا له ولا فرعا من هو مثله ، ودل عليه قوله * ( ولَمْ يَكُنْ لَه ُ كُفُواً أَحَدٌ « 7 » ويجمع جميع ذلك قوله تعالى * ( قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ « 8 » وجملته تفصيل قول لا إله إلا الله فهذه أسرار القرءان ، ولا تتناهى أمثال هذه الأسرار في القرءان . ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين . ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : نوروا القرءان والتمسوا غرائبه ففيه علم الأولين والآخرين ، وهو كما قال . ولا يعرفه إلا من طال في آحاد كلماته فكره وصفا له فهمه ، حتى تشهد له كل كلمة منه بأنه كلام جبار قاهر ، مليك قادر ، وأنه خارج عن حد استطاعة البشر . وأكثر أسرار القرءان معبأة في طي القصص والأخبار ، فكن
شرح
[ 1 ] حديث من قرأ سورة الإخلاص فقد قرأ ثلث القرءان : أحمد من حديث أبي بن كعب بإسناد صحيح ورواه البخاري من حديث أبي سعيد ومسلم من حديث أبي الدرداء نحوه
هامش
« 1 » الصمد
« 2 » الحشر : 23
« 3 » الفجر : 6 ، 7
« 4 » الفيل : 1
« 5 » الصمد
« 6 » الصمد
« 7 » الصمد
« 8 » الصمد