تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
تنبيهات على هذه المعاني لو فطنت وفهمت ، فجميع قصص القرءان تنبيهات لأولى البصائر والأبصار ، حتى ينظروا إليها بعين الاعتبار ، فإنما هي عند ذوي الاعتبار من الأسماء فأول القصص قصة آدم عليه السلام وإبليس ، أما تراهما كيف اشتركا في اسم المعصية والمخالفة ، ثم تباينا في الاجتباء والعصمة ، أما إبليس فأبلس عن رحمته ، وقيل إنه من المبعدين وأما آدم عليه السلام فقيل فيه * ( وعَصى آدَمُ رَبَّه ُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباه ُ رَبُّه ُ فَتابَ عَلَيْه ِ وهَدى « 1 » ) * وقد عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الإعراض عن عبد والإقبال على عبد وهما في العبودية سيان ، ولكن في الحال مختلفان ، فقال * ( وأَمَّا من جاءَكَ يَسْعى وهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْه ُ تَلَهَّى « 2 » ) * وقال في الآخر * ( أَمَّا من اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَه ُ تَصَدَّى « 3 » ) * وكذلك أمره بالقعود مع طائفة ، فقال عز وجل * ( وإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ « 4 » ) * وأمره بالإعراض عن غيرهم فقال * ( وإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ « 5 » ) * حتى قال * ( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 6 » ) * وقال تعالى * ( واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ « 7 » ) * فكذا الانبساط والإدلال ، يحتمل من بعض العباد دون بعض فمن انبساط الأنس قول موسى عليه السلام * ( إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها من تَشاءُ وتَهْدِي من تَشاءُ « 8 » ) * وقوله في التعلل والاعتذار ، لما قيل له اذهب إلى فرعون فقال * ( ولَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ « 9 » ) * وقوله * ( إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي « 10 » ) * وقوله * ( إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى « 11 » ) * وهذا من غير موسى عليه السلام من سوء الأدب ، لأن الذي أقيم مقام الأنس يلاطف ويحتمل ، ولم يحتمل ليونس عليه السلام ما دون هذا لما أقيم مقام القبض والهيبة ، فعوقب بالسجن في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ، ونودي عليه إلى يوم القيامة * ( لَوْ لا أَنْ تَدارَكَه ُ نِعْمَةٌ من رَبِّه ِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وهُوَ مَذْمُومٌ « 12 » ) * قال الحسن : العراء هو القيامة . ونهي نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقتدى به وقيل له * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وهُوَ مَكْظُومٌ ) * « 13 »
هامش
« 1 » طه : 63 ، 64 « 2 » عبس : 8 « 3 » عبس : 5 « 4 » الأنعام : 54 ، 68 « 5 » الأنعام : 54 ، 68 « 6 » الأنعام : 54 ، 68 « 7 » الكهف : 28 « 8 » الأعراف : 155 « 9 » الشعراء : 14 « 10 » الشعراء : 12 ، 13 « 11 » طه : 45 « 12 » القلم : 49 ، 84 « 13 » القلم : 49 ، 84