تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وهذه الاختلافات بعضها لاختلاف الأحوال والمقامات ، وبعضها لما سبق في الأزل من التفاضل والتفاوت في القسمة بين العباد . وقد قال تعالى * ( ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ « 1 » وقال * ( مِنْهُمْ من كَلَّمَ الله ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ « 2 » فكان عيسى عليه السلام من المفضلين ، ولادلاله سلم على نفسه فقال * ( والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا « 3 » وهذا انبساط منه لما شاهد من اللطف في مقام الأنس . وأما يحيي بن زكريا عليه السلام ، فإنه أقيم مقام الهيبة والحياء ، فلم ينطق حتى أثنى عليه خالقه فقال * ( وسَلامٌ عَلَيْه ِ « 4 » . وانظر كيف احتمل لإخوة يوسف ما فعلوه بيوسف ، وقد قال بعض العلماء : قد عددت من أول قوله تعالى * ( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأَخُوه ُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا « 5 » إلى رأس العشرين من إخباره تعالى عن زهدهم فيه نيفا وأربعين خطيئة ، بعضها أكبر من بعض . وقد يجتمع في الكلمة الواحدة الثلاث والأربع ، فغفر لهم وعفا عنهم ، ولم يحتمل العزيز في مسألة واحدة سأل عنها في القدر ، حتى قيل محي من ديوان النبوة وكذلك كان بلعام بن باعوراء من أكابر العلماء ، فأكل الدنيا بالدين ، فلم يحتمل له ذلك . وكان آصف من المسرفين ، وكانت معصيته في الجوارح ، فعفا عنه . فقد روي أن الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه السلام . يا رأس العابدين ، ويا ابن محجة الزاهدين ، إلى كم يعصيني ابن خالتك آصف ، وأنا أحلم عليه مرة بعد مرة ؟ فو عزتي وجلالي . لئن أخذته عصفة من عصفاتى عليه ، لأتركنه مثلة لمن معه ، ونكالا لمن بعده . فلما دخل آصف على سليمان عليه السلام ، أخبره بما أوحى الله تعالى إليه ، فخرج حتى علا كثيبا من رمل ، ثم رفع رأسه ويديه نحو السماء وقال إلهي وسيدي . أنت أنت ، وأنا أنا ، فكيف أتوب إن لم تتب علي ، وكيف أستعصم إن لم تعصمني لأعودن . فأوحى الله تعالى إليه . صدقت يا آصف ، أنت أنت ، وأنا أنا ، أستقبل التوبة ، وقد تبت عليك ، وأنا التواب الرحيم . وهذا كلام مدل به عليه ، وهارب منه إليه ، وناظر به إليه وفي الخبر أن الله تعالى أوحى إلى عبد تداركه بعد أن كان أشفى على الهلكة . كم من ذنب واجهتنى به غفرته لك ، قد أهلكت في دونه أمة من الأمم
هامش
« 1 » الاسراء : 55 « 2 » البقرة : 253 « 3 » مريم : 33 « 4 » مريم : 15 « 5 » يوسف : 8
إحياء علوم الدين — صفحة 121 | الغزالي