تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
أبي الحسن النوري والجماعة حديث الحب والشوق والعشق ، حتى أنكر بعضهم مقام الرضا وقال ليس إلا الصبر ، فأما الرضا فغير متصور وهذا كله كلام ناقص قاصر ، لم يطلع من مقامات الدين إلا على القشور ، فظن أنه لا وجود إلا للقشر ، فإن المحسوسات وكل ما يدخل في الخيال من طريق الدين قشر مجرد ، ووراء اللب المطلوب . فمن لم يصل من الجواز إلا إلى قشره يظن أن الجواز خشب كله ، ويستحيل عنده خروج الدهن منه لا محالة ، وهو معذور ولكن عذره غير مقبول . وقد قيل .
الأنس بالله لا يحويه بطال وليس يدركه بالحول محتال والآنسون رجال كلهم نجب وكلهم صفوة لله عمال
بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تثمره غلبة الأنس اعلم أن الأنس إذا دام وغلب واستحكم ، ولم يتشوشه قلق الشوق ، ولم ينغصه خوف التغير والحجاب ، فإنه يثمر نوعا من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع الله تعالى ، وقد يكون منكر الصورة لما فيه من الجراءة وقلة الهيبة . ولكنه محتمل ممن أقيم في مقام الأنس ومن لم يقم في ذلك المقام ، ويتشبه بهم في الفعل والكلام . هلك به وأشرف على الكفر ومثاله مناجاة برخ الأسود الذي أمر الله تعالى كليمه موسى عليه السلام أن يسأله ليستسقي لبني إسرائيل ، بعد أن قحطوا سبع سنين ، وخرج موسى عليه السلام ليستسقي لهم في سبعين ألفا ، فأوحى الله عز وجل إليه . كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم ، سرائرهم خبيثة ، يدعونني على غير يقين ، ويأمنون مكري ارجع إلى عبد من عبادي يقال له برخ ، فقل له يخرج حتى أستجيب له . فسأل عنه موسى عليه السلام ، فلم يعرف . فبينما موسى ذات يوم يمشى في طريق ، إذا بعبد أسود قد استقبله ، بين عينيه تراب من أثر السجود ، في شملة قد عقدها على عنقه ، فعرفه موسى عليه السلام بنور الله عز وجل ، فسلم عليه وقال له ما اسمك ؟ فقال اسمى برخ . قال فأنت طلبتنا منذ حين ، اخرج فاستسق لنا . فخرج فقال في كلامه . ما هذا من فعالك ، ولا هذا من حلمك ، وما الذي بدا لك ؟ أنقصت عليك عيونك ! أم عاندت الرياح عن طاعتك ! أم نفد ما عندك ! أم اشتد غضبك على المذنبين