تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
بصوت هذا الطائر . قال ففعل . فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان ، قل لفلان العابد ، استأنست بمخلوق لأحطنك درجة لا تنالها بشيء من عملك أبدا فإذا علامة المحبة كمال الأنس بمناجاة المحبوب ، وكمال التنعم بالخلوة به ، وكمال الاستيحاش من كل ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذة المناجاة . وعلامة الأنس مصير العقل والفهم كله مستغرقا بلذة المناجاة ، كالذي يخاطب معشوقه ويناجيه . وقد انتهت هذه اللذة ببعضهم حتى كان في صلاته ووقع الحريق في داره فلم يشعر به ، وقطعت رجل بعضهم بسبب علة أصابته وهو في الصلاة فلم يشعر به . ومهما غلب عليه الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عينه يدفع بها جميع الهموم ، بل يستغرق الأنس والحب قلبه حتى لا يفهم أمور الدنيا ما لم يتكرر على سمعه مرارا ، مثل العاشق الولهان . فإنه يكلم الناس بلسانه ، وأنسه في الباطن بذكر حبيبه فالمحب من لا يطمئن إلا بمحبوبه . وقال قتادة في قوله تعالى * ( الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلا بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ « 1 » ) * قال هشت إليه ، واستأنست به وقال الصديق رضي الله تعالى عنه : من ذاق من خالص محبة الله شغله ذلك عن طلب الدنيا وأوحشه عن جميع البشر . وقال مطرف بن أبي بكر : المحب لا يسأم من حديث حبيبه وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : قد كذب من ادعى محبتي إذا جنه الليل نام عنى أليس كل محب يحب لقاء حبيبه ؟ فها أنا ذا موجود لمن طلبنى . وقال موسى عليه السلام : يا رب أين أنت فأقصدك ؟ فقال إذا قصدت فقد وصلت . وقال يحيي بن معاذ : من أحب الله أبغض نفسه . وقال أيضا : من لم تكن فيه ثلاث خصال فليس بمحب ، يؤثر كلام الله تعالى على كلام الخلق ، ولقاء الله تعالى على لقاء الخلق ، والعبادة على خدمة الخلق ومنها أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل ، ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تعالى وطاعته . فيكثر رجوعه عند الغفلات بالاستعطاف والاستعتاب ، والتوبة . قال بعض العارفين . إن لله عبادا أحبوه واطمأنوا إليه ، فذهب عنهم التأسف على الفائت ، فلم يتشاغلوا بحظ أنفسهم إذا كان مالك مليكهم تاما ، وما شاء كان ، فما كان لهم فهو واصل إليهم ، وما فاتهم فبحسن تدبيره لهم
هامش
« 1 » الرعد : 28