تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إحياء علوم الدين — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
وحق المحب إذا رجع من غفلته في لحظته أن يقبل على محبوبه ، ويشتغل بالعتاب ، ويسأله ويقول . رب بأي ذنب قطعت برك عني ، وأبعدتني عن حضرتك ، وشغلتني بنفسي وبمتابعة الشيطان ؟ فيستخرج ذلك منه صفاء ذكر ورقة قلب ، يكفر عنه ما سبق من الغفلة ، وتكون هفوته سببا لتجدد ذكره وصفاء قلبه ومهما لم ير المحب إلا المحبوب ، ولم ير شيئا إلا منه ، لم يتأسف ولم يشك ، واستقبل الكل بالرضا ، وعلم أن المحبوب لم يقدر له إلا ما فيه خيرته ، ويذكر قوله * ( وعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ « 1 » ) * ومنها أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها ، ويسقط عنه تعبها ، كما قال بعضهم ، كابدت الليل عشرين سنة ، ثم تنعمت به عشرين سنة . وقال الجنيد : علامة المحب دوام النشاط والدؤب بشهوة تفتر بدنه ولا تفتر قلبه وقال بعضهم : العمل على المحبة لا يدخله الفتور . وقال بعض العلماء . والله ما اشتفى محب الله من طاعته ولو حل بعظيم الوسائل فكل هذا وأمثاله موجود في المشاهدات ، فإن العاشق لا يستثقل السعي في هوى معشوقه ، ويستلذ خدمته بقلبه وإن كان شاقا على بدنه ، ومهما عجز بدنه كان أحب الأشياء إليه أن تعاوده القدرة ، وأن يفارقه العجز حتى يشتغل به . فهكذا يكون حب الله تعالى ، فإن كل حب صار غالبا قهر لا محالة ما هو دونه . فمن كان محبوبه أحب إليه من الكسل ترك الكسل في خدمته . وإن كان أحب إليه من المال ترك المال في حبه . وقيل لبعض المحبين وقد كان بذل نفسه وماله حتى لم يبق له شيء . ما كان سبب حالك هذه في المحبة ؟ فقال سمعت يوما محبا وقد خلا بمحبوبه وهو يقول ، أنا والله أحبك بقلبي كله ، وأنت معرض عنى بوجهك كله . فقال له المحبوب : إن كنت تحبني فأيش تنفق علي ؟ قال يا سيدي أملكك ما أملك ، ثم أنفق عليك روحي حتى تهلك . فقلت هذا خلق لخلق . وعبد لعبد ، فكيف بعبد لمعبود ! فكل هذا بسببه ومنها أن يكون مشفقا على جميع عباد الله ، رحيما بهم ، شديدا على جميع أعداء الله ، وعلى كل من يقارف شيئا مما يكرهه ، كما قال الله تعالى * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ « 2 » ) *
هامش
« 1 » البقرة : 216 « 2 » الفتح : 29