* ( وإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ « 1 » ) * فمن كان حبه في الدنيا رجاءه لنعيم الجنة والحور العين والقصور ، مكن من الجنة ليتبوأ منها حيث يشاء ، فيلعب مع الولدان ، ويتمتع بالنسوان ، فهناك تنتهي لذته في الآخرة ، لأنه إنما يعطى كل إنسان في المحبة ما تشتهيه نفسه وتلذ عينه . ومن كان مقصده رب الدار ومالك الملك ، ولم يغلب عليه إلا حبه بالإخلاص والصدق ، أنزل في مقعد صدق عند عليك مقتدر . فالأبرار يرتعون في البساتين . ويتنعمون في الجنان مع الحور العين والولدان ، والمقربون ملازمون للحضرة ، عاكفون بطرفهم عليها ، يستحقرون نعيم الجنان بالإضافة إلى ذرة منها . فقوم بقضاء شهوة البطن والفرج مشغولون ، وللمجالسة أقوام آخرون . ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب » . ولما قصرت الأفهام عن درك معنى عليين ، عظم أمره فقال * ( وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ « 2 » ) * كما قال تعالى * ( الْقارِعَةُ ما الْقارِعَةُ وما أَدْراكَ ما الْقارِعَةُ « 3 » ) * ومنها أن يكون في حبه خائفا متضائلا تحت الهيبة والتعظيم . وقد يظن أن الخوف يضاد الحب ، وليس كذلك . بل إدراك العظمة يوجب الهيبة ، كما أن إدراك الجمال يوجب الحب . ولخصوص المحبين مخاوف في مقام المحبة ليست لغيرهم . وبعض مخاوفهم أشد من بعض ، فأولها خوف الإعراض ، وأشد منه خوف الحجاب ، وأشد منه خوف الإبعاد وهذا المعني في سورة هود هو الذي [ 2 ] شيب سيد المحبين ، إذ سمع قوله تعالى * ( أَلا بُعْداً لِثَمُودَ « 4 » ) * * ( أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ « 5 » ) * وإنما تعظم هيبة البعد وخوفه في قلب من ألف القرب وذاقه وتنعم به ، فحديث البعد في حق المبعدين يشيب سماعه . أهل القرب في القرب ، ولا يحن إلى القرب من ألف البعد ولا يبكى لخوف البعد من لم يمكن من بساط القرب ثم خوف الوقوف وسلب المزيد ، فإنا قدمنا أن درجات القرب لا نهاية لها ، وحق العبد أن يجتهد في كل نفس حتى يزداد فيه قربا . ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
شرح
[ 1 ] حديث أكثر أهل الجنة البله وعليون لذوي الألباب : البزار من حديث أنس بسند ضعيف قصرا على الشطر الأول وقد تقدم والشرط الثاني من كلام أحمد بن أبي الحواري ولعله أدرج فيه
[ 2 ] حديث شيبتني هود أخرجه : الترمذي وقد تقدم غير مرة
هامش
« 1 » الأنبياء : 47
« 2 » المطففين 19
« 3 » القارعة : 1 ، 2 ، 3
« 4 » هود : 68 ، 95
« 5 » هود : 68 ، 95