ولا تأخذه لومة لائم ، ولا يصرفه عن الغضب لله صارف وبه وصف الله أولياءه إذ قال :
الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء ، ويأوون إلى ذكرى كما يأوى النصر إلى وكره ويغضبون لمحارمي كما يغضب الثمر إذا حرد ، فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا . فانظر إلى هذا المثال ، فإن الصبي إذا كلف بالشيء ، لم يفارقه أصلا ، وإن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء والصياح حتى يرد إليه ، فإن نام أخذه معه في ثيابه ، فإذا انتبه عاد وتمسك به ، ومهما فارقه بكى ، ومهما وجده ضحك ، ومن نازعه فيه أبغضه ، ومن أعطاه أحبه . وأما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب ، حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة ، فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته وخلص حبه ، فصفا في الآخرة شرابه وعذب مشربه . ومن امتزج بحبه حب غير الله تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين ، كما قال تعالى في الأبرار * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ « 1 » ) * ثم قال * ( يُسْقَوْنَ من رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُه ُ مِسْكٌ وفي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ومِزاجُه ُ من تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ « 2 » ) * فإنما طلب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذي هو للمقربين . والشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان ، كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال * ( إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ « 3 » ) * ثم قال * ( يَشْهَدُه ُ الْمُقَرَّبُونَ « 4 » ) * فكان أمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون . وكما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم ومعرفتهم بقربهم من المقربين ، ومشاهدتهم لهم ، فكذلك يكون حالهم في الآخرة * ( ما خَلْقُكُمْ ولا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ « 5 » ) * * ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه ُ « 6 » ) * وكما قال تعالى * ( جَزاءً وِفاقاً « 7 » ) * أي وافق الجزاء أعمالهم . فقوبل الخالص بالصرف من الشراب ، وقوبل المشوب بالمشوب ، وشوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه وأعماله * ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه ُ ومن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ُ « 8 » ) * و * ( إِنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 9 » ) * و * ( إِنَّ الله لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها « 10 » ) *
هامش
« 1 » الانفطار : 13
« 2 » المطففين : 25 - 28
« 3 » المطففين : 18
« 4 » المطففين : 21
« 5 » لقمان : 28
« 6 » الأنبياء : 104
« 7 » النبأ : 26
« 8 » الزلزلة : 7 ، 8
« 9 » الرعد : 11
« 10 » النساء : 40