* ( يُحِبُّونَ من هاجَرَ إِلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ « 1 » ) * ومن بقي مستمرا على متابعة الهوى فمحبوبه ما يهواه ، بل يترك المحب هوى نفسه لهوى محبوبه . كما قيل .
أريد وصاله ويريد هجرى
فأترك ما أريد لما يريد
بل الحب إذا غلب فمع الهوى فلم يبق له تنعم بغير المحبوب ، كما روي أن زليخا لما آمنت وتزوج بها يوسف عليه السلام ، انفردت عنه وتخلت للعبادة ، وانقطعت إلى الله تعالى ، فكان يدعوها إلى فراشه نهارا فتدافعه إلى الليل ، فإذا دعاها ليلا سوفت به إلى النهار ، وقالت يا يوسف ، إنما كنت أحبك قبل أن أعرفه ، فأما إذا عرفته فما أبقت محبته محبة لسواه ، وما أريد به بدلا . حتى قال لها : إن الله جل ذكره أمرني بذلك ، وأخبرني أنه مخرج منك ولدين ، وجاعلهما نبيين فقالت أما إذا كان الله تعالى أمرك بذلك ، وجعلني طريقا إليه ، فطاعة لأمر الله تعالى . فعندها سكنت إليه فإذا من أحب الله لا يعصيه ، ولذلك قال ابن المبارك فيه .
تعصى الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
وفي هذا المعنى قيل أيضا
وأترك ما أهوى لما قد هويته
فأرضى بما ترضى وإن سخطت نفسي
وقال سهل رحمه الله تعالى . علامة الحب إيثاره على نفسك ، وليس كل من عمل بطاعة الله عز وجل صار حبيبا ، وإنما الحبيب من اجتنب المناهي . وهو كما قال ، لأن محبته الله تعالى سبب محبة الله له ، كما قال تعالى * ( يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَه ُ « 2 » ) * وإذا أحبه الله تولاه ونصره على أعدائه وإنما عدوه نفسه وشهواته ، فلا يخذله الله ولا يكله إلى هواه وشهواته . ولذلك قال تعالى * ( والله أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وكَفى بِالله وَلِيًّا وكَفى بِالله نَصِيراً « 3 » ) * فإن قلت : فالعصيان هل يضاد أهل المحبة ؟
فأقول : إنه يضاد كمالها ولا يضاد أصلها . فكم من إنسان يحب نفسه ، وهو مريض ويحب الصحة ، ويأكل ما يضره ، مع العلم بأنه يضره ، وذلك لا يدل على عدم حبه لنفسه .
هامش
« 1 » الحشر : 8
« 2 » المائدة : 54
« 3 » النساء 45